Showing posts with label Reviews. Show all posts
Showing posts with label Reviews. Show all posts

قصص بين الحياة والموت في 'روميو العراقي'

مجموعة الكاتب ميثم سلمان تضم قصص حربٍ أهليَّة واحتلال واعتقال وحبّ وتضحية يمعنُ فيها في التفاصيل الصغيرة دون إيحاءات وإنَّما بلغةٍ تستدعي إليها الخراب لتحوِّله إلى مادَّةٍ قصصية مرعبة فائقة الجمال في الآن نفسه.

أوتاوا - صدرت عن منشورات المتوسط -إيطاليا مجموعة قصصية جديدة للكاتب العراقي، المقيم في كندا، ميثم سلمان، حملت عنوان "روميو العراقي".

وتحوي المجموعة ستُّ قصصٍ تتّخذ من العراق مسرحاً لتفاصيلها الواقعية، وإن بدت، سوريالية وهي تتبّع خطَّ سردٍ صادمٍ ليست مهمَّته مداراة بشاعة الذي حدث في حروبٍ تعدّدّت أشكالُها وتسمياتُها؛ وضحيتها الإنسان، حتّى وإن غيّرت مسرحها إلى حديقة عامّة في كندا. فالعنفُ هنا فعلُ إدانةٍ، مكتوب بحرفيّة عالية.

في مجموعته القصصية الجديدة يكتبُ ميثم سلمان قصصاً تروح وتجيء بين الحياة والموت، مثل حبالٍ متشابكةٍ لا هي بمأساةٍ نهائية، ولا هي بمنجاة، لكننا لا نملك إلا أن نتمسَّك بها. إذ لا خلاصَ من الرعب الذي سيطاردنا معَ كلَّ مشهدٍ أو حكايةٍ، وسوفَ نكونُ، نحن القرّاء، على موعدٍ مع كاتبٍ لاذعٍ مصيرهُ لم يتغيَّر، بتغيُّر الأزمنة، كما كان يعتقد. وسنرافقُ جثة روميو العراقي، وهو يسردُ حبَّه لليلى وكيف دسُّوا في جثته عبوةً ناسفة، بعد أن اقتلعت أيدي الظلام رئتيْه. حتّى الحلم بتحقيق رغبة أمِّه في تعليم دجاجتها الطيران والسباحة، سيكونُ كابوساً متسلسلاً تنهالُ على بطلهِ ضرباتُ السيوف. يطالعنا الوهمُ كحقيقة، بل أشدّ صلابةً منها، حين يكون مدعاةً للقتل.

هي قصصُ حربٍ أهليَّة، واحتلال واعتقال، وحبّ وتضحية، يمعنُ فيها ميثم سلمان، كما يأتي على لسانِ أحد أبطالهِ، في التفاصيل الصغيرة، دون إيحاءات، وإنَّما بلغةٍ تستدعي إليها الخراب لتحوِّله إلى مادَّةٍ قصصية مرعبة، فائقة الجمال في الآن نفسه. وحينها يصعبُ التنصّل من الواقع بكوابيسه وجرائمه، كما أحلامهِ التي تتدلّى من شرفات السرد، كنبتاتٍ منزلية تقاومُ العطش والإهمال والموت.

هناكَ أكثر من قصة داخل القصّة الواحدة، توليفة عجيبة من المشاهد المتسارعة، والمتداخلة، تنصهرُ في فعل الكتابةِ بطريقةٍ تذيبُ الحديد الصلب وتُبخّرهُ، انتصاراً للذاكرة والأثر والرغبة الملحّة في سرد قصص أشخاصٍ عاديّين، لم تكن حياتهم يوماً عادية. يستهلُّ الكاتبُ إحدى قصصه بمقولة لـ كارل يونغ، تقول: "إن العالم الذي نولدُ فيه عالمٌ موحشٌ وقاسٍ، وهو، في الوقت ذاته، عالم بالغ الجمال"، وربّما أراد الكاتبُ يقول لنا إنّ قصصه محبكة بهذا التناقض، حين يستوقفنا في بداية الكتاب، لنقرأها بعيونٍ مُغمضة كي نرى أحلامه أكثر وضوحاً.

وميثم سلمان، كاتبٌ عراقيّ ولد عام 1970. وتخرّج من كلية الآداب جامعة بغداد عام 1994 ويعيش في كندا منذ 1998.

صدر له رواية بعنوان "قشور بحجم وطن" عام 2010، ومجموعة قصصية بعنوان "دراهم الخلافة" عام 2012. ساهمَ مع كتاب وفنانين مقيمين في مدينة إدمنتون بإنجاز كتابين هما " Home: Stories Connecting us all" و "Beyond the food court: An Anthology of Literary Cuisines"، فضلا عن نشر الكثير من النصوص والمقالات النقدية والسياسية في الصحف والمجلات والمواقع العربية والكندية.

وفاز ميثم سلمان عام 2013 بمنحة التفرغ للكتابة من قبل مركز الفنون في مدينة إدمنتون.

من الكتاب

 خرج مهنَّد من الغرفة، وعاد وبيده علبة مكياج نسائي. أَجلَسَني قرب شبَّاك الغرفة للاستفادة من ضوء شمس الظهيرة المتسرِّب خلال الستارة. وضع مساحيق التجميل على وجهي لإخفاء الشَّامَة وأنا جالس أمامه مسلوب الإرادة، حيث لا خيار لي غير الرضوخ. توسَّلتُ إليه أن يعيرني علبة المكياج، فقد أحتاجها لاحقاً. فوافق على مضض. حشرتُ علبة المكياج في جيب بنطالي الأيمن، وسحبت قميصي الأبيض من تحت الحزام، ليغطِّي زاوية العلبة الناتئة خارج الجيب. وضعتُ الهوية المزوَّرة مع علبة السجائر في جيب القميص تاركاً هويتي الأصلية عند مهنَّد الرسَّام.



ميدل أيست أولاين

رأي الأستاذة عشتار سومر في رواية "قشور بحجم الوطن"

 



شلّك عليّ يازمن وشرايد

انطيتك اللي تريده وزايد

 

كانت اول كلمات قد رنّت بعقلي بعد كلمة " انتهت" لرواية ميثم سلمان( قشور بحجم الوطن ).

ثم عدتُ وصححتُ ترنيمة الاغنية التسعينية :

شلّك علينا يا ميثم وشرايد

أَنطينا اللي نريده وزايد ...


 

وانا ادندن، تخيّلتُني مواطن من فلسطين، او من سوريا ، ثم تراجعتُ وعدتُ لعراقيّتي، فالعراقي يملك خبرة فوق الكافية في معنى التهجير والحرب والاغتراب، وربما استحق الجائزة الاولى في ارتداء وسام المعاناة. ولذا، ومن جديد، يبرع كتّاب المهجر في تدوين روايات الحزن الاصيل والخوف العتيق..

بداية الرواية كانت على نحوٍ ما تنبئ عن حيرة وتقلّب وتساؤلات غير مفهومة ما بين محمد وحسين . فيما بعد تبيّن انهما ذات الانسان العراقي الموجوع و المغترب في كندا، و الذي لبس القناع القشري كي يتحوّل الى احدهما ساعة التذكر ..

الانسحاق الدائم بسبب غربة الذات والتغرّب عن الوطن وصعوبة تحقيق الاحلام جعلتني اعيش في غربات مبطّنة ..شعرتُ بها على مدار جريان الكلمات تحت ظلال أهدابي المبتلّة... الحَيرة ظلت ترافقني، والتغرّب عن ما يمكن ان يشعر به الانسان لو جَرُأ على الحلم ..

الخيال هو ذاك المنقِذ الذي يستعين به اي فرد واعي، سيغرّبه عن واقعه، وسينهش صدره بأرجلٍ تشبه أرجل الجرادة ..مسننّة، حادة، لعينة ولا تموت، بل تتكاثر لتشكل موسم هجرة كامل يأكل ما تحت وجه اي انسان ..

من انا بعد قشور الوطن؟ من هو محمد ومن هو ميثم ومن هو حسين؟! ...

لا ندري.. فكلنا غرباء نودّ الانتحار بعد ان تطول الحياة على نحو لا نريده ....

احسنت ميثم سلمان ..لكم اعجبني الحزن الشفيف الذي حملته الرواية مع واقعيتها ..

شكرا لك لأني لم اعرف سوى ان اغني اغنية الحيرة تلك، فاعرف سعادة ما انا فيه حقا وقد كنت لا ارضاه ..اذ إني صعبة الارضاء، مليئة بالتذمر كأغلب ابناء هذا الوطن ..

" قشور بحجم الوطن" ست وثمانون صفحة تحكي عن ست وثمانون قشرة غطّت جسد ابناء الوطن و أنستهم محاكمة التاريخ من ان يوصمهم بما ليس فيهم ..

# اغتراب

# عشتار_سومر






الرأي منشور على صفحتها الشخصية في (فيسبوك)عشتار سومر

قشور بحجم الوطن: كينونة اللغة





بقلم الناقد ناظم عودة


عندما شرعتُ بقراءة هذه الرواية، شعرتُ بشيء من التردد في قراءتها، لأنّ كلمة الوطن باتت تُستَعْمَلُ في سياق إنشائيّ بارد، يفتقرُ إلى حرارة 

العاطفة السامية التي تتضمنُها هذه الكلمة المقدسة. لكنْ عندما تجاوزتُ الصفحات الاستهلالية الأولى، لم يعد بوسعي التراجع عن المواصلة. وفي كلّ صفحة، كنتُ أعثر على طريقة ميثم سلمان في السرد، التي تعرفتُ عليها من خلال ما يكتبُه في صفحته في الفيسبوك. إنها طريقة ساحرة، تطرحُ موضوعاتها بأسلوب فيه الكثير من الطراوة والمرح مازجاً بين السخرية والجدية بطريقة التورية تارةً والكناية تارةً أخرى. ومفهوم الوطن، في هذه الرواية، ليس مفهوماً تجريدياً وإنما هو مجموعة تجارب واختيارات عاشها الساردُ في شطر حياته الأول، ويعيشها الآن في كندا حيث استقر به الحال. إنه مفهوم مفعم بالحركية، ويتمتع بحساسية عالية تَظهرُ تجلياتُها في أشياء صغيرة وكبيرة على حدّ سواء. وهكذا تتشكلُ صورةُ الوطن، من خلال حياة كل فرد من أفراده، فالجزء يشكّلُ صورة الكلّ، والكلُّ يشكّلُ صورة الجزء كذلك.
تطرحُ، هذه الرواية، موضوعة الهوية من خلال اللغة. معاناة مهاجر عراقيّ إلى كندا مع اللغة، وشعوره معها بغربة كبيرة. ومن خلال هذه الغربة، تتحفّزُ كلُّ مكامن الشعور بالهوية، فيستعيد الساردُ تاريخ حياته السابقة. يتزامن ذلك، مع دخول القوات الأمريكية بغدادَ. ومن خلال الأسئلة التي يطرحها السارد عن مفهوم الهوية ما بين الزيف والحقيقة والشك واليقين، يستعيد رحلةَ الشقاء للإنسان العراقي ما بين قمع السلطة، والحروب العبثية، وقسوة التقاليد وزيف المفاهيم الثقافية.
إنّ حالة التشتت في الهوية، ليست حالة تخلقُها حياة المهجر، وإنما هي حالة متأصلة في المجتمع الأصلي نفسه الذي يمارسُ إكراهات لا حصر لها على أفراده على نحو يعمّق حالة الاغتراب وتشتتِ الهوية. فإكراهات الحرب جعلته يتقمّص هوية أخيه الميت في مرض القلب، ويمثّل شخصيته، ويمارس أدواره باسم ليس اسمه الحقيقي، وطريقة في الكلام واللغة ليست طريقته. وإكراهات الأب تعمّق حالة الكبت لديه. وإكراهات مدرّس التاريخ تعمّق حالة القمع ومصادرة الرأي وفقدان الحرية.
ومن خلال، هذه الرواية، نعرف أنّ الهجرة ليست حلاً نهائياً، وإنما بداية انفجار الأسئلة والمقارنات والمفارقات، وظهور المكبوت على نحو قد يعيق اندماج المهاجر في مجتمعه الجديد. فضاء المهجر، قد يتيح لك أنْ تستخرج ما لديك من أسئلةٍ، ويساعد عقلك على الانعتاق من سجن مفاهيم الماضي، ويحرر روحك وجسدك من الخوف، لكنه في مقابل ذلك يزرع في طريقك العديد من الألغام التي ربما تتمثل في كلمة واحدة، أو جملة عابرة (المرأة العجوز الراكبة في التاكسي مثلاً) أو تصرف جنوني (الهندي المتسول مثلاً). كل هذه الحوادث الصغيرة، في الرواية، هي بالنسبة للسارد ذات تأثير كبير.
لا تخلو الرواية، من التعبير بالترميز والصورة، كما في المقابلة بين ولادة المرأة في سيارة التاكسي ودخول القوات الأمريكية بغدادَ وسقوط تمثال الدكتاتورية. فالوضع الجديد، ومفهوم الديمقراطية التي روّج لها الاحتلال الأمريكي، هو مفهوم وُلدَ في غير مكانه ملوّثاً المكان بالدم كما هو الحال في ولادة المرأة التي لوثت المكان الخلفي من السيارة. وكذلك، علاقة الحب الحقيقية التي نشأت بينه وبين امرأة عبر الانترنت، والتي اكتشف أنها امرأة مشلولة تجلس على عربة مدولبة. كأنه يقابل هنا بين الحياة الجديدة التي ارتجاها، وبين المرأة المشلولة.
تطرح الرواية أيضاً، المفاهيم الدينية الشقاقية في المجتمع العراقي، ويناقشها السارد من منطلق علمي وعقلاني، بخلاف الطرف الآخر (حميد) الذي يعتقد بصحة المفاهيم استناداً إلى العرف والجماعة المذهبية والوراثة. تكشف الرواية عن المصاعب التي تواجه المهاجر، بعضها نفسية منتزعة من الذاكرة المثقلة بتاريخ من الآلام والمآسي الشخصية والعامة. في نهاية الرواية، حاول الانتحار للتخلص من ثقل تلك التساؤلات الموجعة، لكن الصدفة تأبى إلا أنْ تعيده إلى واقعه المرير وإلى تلك التساؤلات التي لا تنتهي.


Artical by the Iraqi writer Kahttan Jasim on "Husks as big as my Country"


الأغتراب وتشرذم الذات في رواية قشور بحجم الوطن

*قحطان جاسم 


لدى كلّ قاريء توّقع ما في داخله حينما يشرع في قراءة عمل أدبي. ويتراوح هذا التوقع بين المتعة الجمالية والفكرية او المشاركة في تجربة الكاتب الحياتية المبثوثة عبر النص. ويمكن قياس هذا التوقع لدى كل قاريء، الى حد ما، عبر قدرته على اكمال العمل الادبي حتى النهاية او القائه جانبا متذمرا منه. ورغم ان الامر يبقى في كل ابعاده خاضع لطبيعة القاريء ومستواه المعرفي وزاوية نظره وهدف تذوقه وغيرها من المؤثرات الاخرى، لكن يمكن القول، أن القاريء يتمنى ان يحصل على اقصى ما يمكنه مقارنة بما يقضية من الوقت الذي يقتضيه العمل الادبي المعني.



يمكن لنا من هذه المقاربة إخضاع رواية " قشور بحجم الوطن" للروائي ميثم سلمان التي صدرت عن دار فضاءات في عمان عام 2011، لمعرفة المدى الذي استطاعت فيه الرواية من الاستجابة الى توقعات القاريء. 

ثيمة الرواية ونسيج السرد:
يشير الفيسلوف الالماني آرثر شوبنهاور(1860-1788) في واحدة من مقالاته عن التأليف ": المؤلفون نوعان : نوع يكتب من اجل الموضوع الذي يتناوله ونوع يسوّد الورق من اجل الكتابة ذاتها. وأولئك الذين يكتبون من اجل الموضوع تكون قد عنت لهم ضروب من الفكر ، او مروا باشكال من التجربة، يجدونها جديرة أن يلم بها الآخرون بها. أما الذين يتخذون من الكتابة حرفة (....) الفكر لديهم ، جزء من صنعة الكتابة ذاتها.(...) والفكرة التي تمر باذهانهم ، في اطول سرد ممكن" ثم يضيف " ولا يطول الامر بهم قبل ان يكشفوا عن زيفهم ، فلا يلبث القاريء الفطن ان يتبين انهم لا يستهدفون في حقيقة الامر ، الا تسويد الورق، وإراقة المداد".(1).يمكن القول أن رواية ميثم سلمان هي من النوع الاول الذي اشار اليه شوبنهاور. فهي رواية قصيرة لا يتجاوز عدد صفحاتها 84 صفحة، كتبت بعناية فائقة وبلغة سردية موجزة . 

تشتغل الرواية على ثيمة الهوية والاغتراب الذاتي ، وهو اغتراب ناتج عن قمع اجتماعي وسياسي ، يضاف اليه وجه آخر، الغربة عن الوطن ومواجهة الآخر الذي يعمق هذا الاغتراب عبر استعادات ماضوية ومقارنات متعددة في السلوك الحياتي والثقافي والمعيشي مع الاخر بعد الانتقال الى المنفى. وحول هذا السؤال تتمحور موضوعات اخرى اهمها فكرة الحرمان، الحرمان من الحرية، من الجنس، من التمتع بحياة الطفولة، المحرمات الاجتماعية، الخوف من الآخر وغيرها. وهي بهذا تلمس جوانب انسانية عديدة؛ السايكولوجي والسيوسولوجي والسياسي والثقافي، او ما يسمى في الدراسات الثقافية مفهوم "الاتصال الثقافي المتعدد" الذي ظهر بعد الستينات.

تُفتتح الرواية باللوحة الاولى "يقظة " حينما تتوسط الشمس في المسافة بين اغترابها وشروقها يستيقظ الوجع كمارد قد غط في قيلولة ، فاتحا حدقتي على الخواء وسؤال الهوية"ص7. هنا يقدم لنا الكاتب، منذ البدء، حياة قلقة بين حالتي غروب وشروق، تعاني من وجع كامن فيها ، وهو وجع يفتح بصره ليطل على الخواء وسؤال الهوية ،المتسربل بمعنى الاغتراب والشك بالوجود! انها يقظة منقوصة ، يشوبها شيء من التشويه والالم والقلق الذاتي. 

الرواية تعرض لنا تشظي هوية "محمد" منذ ان كان مقيما في العراق. ففي الوطن كانت حياته مليئة بالممنوعات ص.63" فروض وقوانين ونظم وفرمانات وواجبات كلها تكبح حريتي وتحيلني الى آلة لتطبيق ما يشتهي الآخر وليس ما أرغبه حتى صرت غريبا عن نفسي، وغدا وجهي يعكس تلك السلوكيات والنظم والاسماء الجديدة التي لا تمثل كينونتي" ص.64

بعدها هروبه من العراق عبر دول مختلفة حتى وصوله الى كندا كلاجيء والاقامة فيها، و ما يواجهه من إشكالات ذات طابع جديد تعمق بصورة اكبر شروخ الذات لديه، كما يعبر عن ذلك بلوعة " لم اكن اصدق ان كندا ستضاعف من تلكؤ مسيرتي" ص.8. هذه المواجهة الجديدة مع الذات تقوده الى طريق مسدود فلا يرى مخرجا سوى الموت كسبيل وحيد للخلاص من الوجود العبثي لحياة متعثرة ضاعت بين وطن يعيش في ظل الارهاب والحروب والاحتلال ، ووجود جديد في بلاد غريبة عنه في ناسها وسلوكهم ومشاعرهم ولغتهم. يتراكم هذا الاغتراب والشعور بالوحدة والانفصام الذاتي حتى ينتهي به الى انتحار فاشل، حيث يجد نفسه في المستشفى ويتم انقاذه من موت محتوم. مساعي الانتحار الذي يرافقه على مدار الرواية هي اشارات تنفيس، او محاولات لتجنب هذا الضغط الهائل للخسارات، وليس اختيارا فكريا وجوديا، فهو يعترف بنفسه بذلك" لحظات المواجهة الحقيقية مع ذاتي مخيفة حتى انّي أحيانا أعمد الى غسل رأسي بالماء البارد كي اطرد رغبة حزّه بالسكين" ص.8

في نهاية الرواية يسافر الى العراق في محاولة جديدة للبحث عن هويته المتمثلة في نبش قبر اخيه "حسين" المدفون في غرفة نومه السابقة ، الا انه يتفاجأ بالبيت مُدمرا بصاروخ " مجهول المصدر، ربّما من السماء او الضفة الاخرى أو ربّما الجيران. فلا أحد يعرف مصدر النيران هذه الايام".ص.84

مما له اهمية ان الرواية تُختتم بلوحة تحت عنوان" يقظة-ص.81-84"، مثلما تم افتتحها بنفس العنوان، كما لو أن الكاتب يشير ثانية على استمرارية حالة اغتراب بطله وتوزعه الذاتي رغم مرور سنوات طويلة عليه ومعايشته لاحداث وتغييرات قصفت بحياته دون ان تترك اثرا حميدا يذكر عليه.

تقنيات السرد:
تم بناء الرواية على شكل لوحات- مشاهد، كل لوحة تسرد لنا فصلا من فصول حياة الرائي الذي يحمل أسمين ( محمد- حسين). انها استعادات واستذكارات لماض شاخص بصورة حادة في وعيه. الاستذكار، هنا ، هو نوع من الترميم الذاتي وواحدة من اهدافه سد الرمق" من جوع مزمن وجفاف دائم وفشل متراكم وضياع ابدي" ص.7 
تضم الرواية 29 لوحة بتقنية محسوبة بدقة. فالنصوص- اللوحات يمكن ترتيبها او تغيير أماكنها دون ان تصيب شكل الرواية او مضمونها بأذى أو تضعف ديناميكية الحكي او ترابط الافكار الرئيسية فيها، فقد تمكن الروائي ان يكشف بموهبة عن عرض الاحداث المتراكمة والموضوعات التي تشكل نسيج نص الرواية دون الحاجة الى وجود فواصل متدرجة بين اللوحات .

منح الكاتب هذه اللوحات عناوينا مختلفة تشبه عناوين القصائد الشعرية "يقظة، هجرة، مفردات، شتائم، عاهرة، صداقة، تابع، نساء، ضياع، حيرة، اقنعة، لقاء، مهنة، أبوة، غزو، ، حرب، بلاد، موت، تاريخ، دين، جوهر، فتوحات، غريب، نهاية، فرار، واقع، سيرة، يقظة". يذكرنا اسلوب الكتابة وتوزيعه على اللوحات كمن يزور معرضا للرسم، حيث تمثل كلّ لوحة عالما خاصا بها، متضمنة صراعات وافكارا وقيما تنبع من تفاصيلها هي، لكنها من الجانب الآخر تشكل حلقات متكاملة للّوحات الموجودة في المعرض، وترتبط بخيط داخلي موضوعا واسلوبا، لتكوّن مع باقي اللوحات عالم الفنان. من هنا يمكن القول ان الروائي استخدم فن اللوحة او المشهد المسرحي لكي يعرض لنا الاحداث والموضوعات، وكل لوحة تمثل بحد ذاتها كيانا مستقلا، دون ان يضحي باللحمة الداخلية للاحداث، وبهذا يكون الروائي قد استغنى عن البنية التقليدية للرواية التي تقوم على عقدة رئيسية تعتمد التشويق الفني، الذي يهدف الى شد القاريء وابقائه في مجال النص، عبر تصعيد درامي للاحداث وتحولات الشخصيات، يتوقع عبرها القاريء الوصول الى خاتمة محددة تمثل ذروة الرواية. 

ولهذا فان قاريء رواية ميثم سلمان لا يمكنه وهو يتنقل من لوحة الى لوحة أن يتوقع او يخّمن مسبقا ما ستحمله الاحداث بصورة منهجية تراتبية. اللوحات هي باختصار، دليل يقودنا الى هدفنا دون حاجة الروائي لاعلان عن خارطة طريق مسبقة لاقناعنا بدقة وجهة مسيرة الاحداث.

بؤرة هذه اللوحات، التي تشكل بمجموعها، موضوعات الرواية وخيوطها الداخلية، تتجمع، كما اشرت، حول أسئلة الهوية والاغتراب، ؛ من انا؟ والى اين امضي ؟ وكيف انتهيت الى هنا؟ ولماذا كل هذا العذاب؟. الروائي لم يقدم أجوبة، بل اكتفى باثارتها، بصورة غير مباشرة، من خلال سرد مشاهد احداث عاشتها شخصية الرواية الرئيسية. فهي تعيش في عالم مجزأ متشرذم، تحاول فيه أن تعيد لملمة أجزاءه، لعلها تنجح في الحفاظ على وحدة الأنا المتصدعة. وهذا التصدع في الذات يتضح شيئا فشيئا عبر إشكالات الاغتراب كاللغة، أو مواجهات انسانية ؛ كعلاقته المضطربة مع صديقه حميد، او التباسها مع السائق اللبناني ، او اللقاء مع مواطنين كنديين ،او من خلال الاحساس الجديد بالحرية الجنسية، والبحث عن علاقة حب مع أمرأة يكتشف انها معوقة بسبب شلل اصابها.

السخرية والتهكم اللاذع..!
السمة الاخرى التي تميزت بها الرواية هو استخدام السخرية والتهكم اللاذع في بنيتها. فقليلة هي الروايات التي جعلت من السخرية كتقنيات سردية تساعد في أضاءة الثيمة الرئيسية، خاصة حين تشتغل الرواية على موضوعات ذات طابع مأساوي وعنيف. الا ان الخيال الواسع للروائي ميثم سلمان ، عبر التقاطات نبيهة ص10-11، ص.15، ص.28-29،ص.56-57، للمشاهد الساخرة، ساعد في نقل القاريء قريبا الى الواقع دون ان تفقد الرواية بُنيتها التّخيلية للافكار والاحداث، كما لو ان الكاتب اراد بذلك إتاحة فرصة استراحة للقاريء، ليمكّنه من إسترداد انفاسه وهو يعيش حالات فزع ورعب وآلام مرّ بها خلال احداث الرواية، فلا يضيع تماما في تفاصيلها، فيكتشف بذلك الجانب الآخر من العملة، ايّ ، التمزق الذي اصاب هوية الرائي وحالات الاغتراب التي كانت تتعمق في مسار حياته.

لقد ادرك الفيلسوف الدانماركي الوجودي سورن كيركگورد، منذ اكثر من مئتي عام، اهمية التهكم والسخرية كأدوات مهمة للتعبير والاتصال مع القاريء، ولكشف المعاناة والآلآم الانسانية. وهو ما عالجه في اطروحته "مفهوم التهكم طبقا لسقراط" عام 1841. وقد اطلق على اسلوبه الذي استعاره من سقراط "ديالكتيك القص او الإتصال". وقد رأى كيرككورد ان هدف و مقاصد الكاتب مخفية بصورة او اخرى، وهو يعبر عنها بصورة غير مباشرة عبر السخرية والتهكم أو استخدام الأسماء المستعارة او المتناقضات وغيرها.(2) وشدد على ان "ديالكتيك الإتصال" يمنح فرصة مستقلة وفعالة للقاريء لما يطرحه الكاتب، في إطار المعضلات والمفارقات الوجودية التي تواجهه في الحياة. وقد بقي كيرككورد أمينا لاسلوبه في معظم نصوصه الادبية واعماله الفكرية والفلسفية. 

لغة السرد :
يبدو الاعتناء باللغة السردية والموضوع واضحا بدءا من عنوان الرواية" قشور بحجم الوطن". فعنوان النص له اهمية كبيرة في الاحالة على محتوياته ومضمونه. ويمكنه أن يدل القاريء منذ البدء على مضمون العمل الادبي او يخلق عنده بعض التصورات عن هذا العمل. فالقشور هي المحن والخسارات التي يواجهها الرائي (محمد - حسين)، الأنا التي يتجسد فيها، في آن واحد، صوت الشخصية الرئيسية وصوت الروائي، باسلوب يزاوج بين التخييل والسيرة الذاتية بصورة لا يمكن معها فصل الواقع عن الخيال ، والحادثة عن التصور. هذه القشور هي " الغربة في الوطن ، الغربة في المنفى، لا يوجد اي من عائلتي او اصدقائي القدامى او اقاربي ، لا أحمل حتى اسمي الحقيقي، طبقات من القشور" ص.42، انها نوع من الاقنعة المختارة ذاتيا او المركبة عنوة التي يصارع ويحلم، كما يقول الراوي " بالخلاص من كل الاقنعة" ص21. ولغته تمتاز بالايجاز، موشاة احيانا بتعابير فلسفية، وذات تكثيف عال يصل حد الشعرية ص33،ص.57، ص.59،ص.70، الا انها، و في حالات قليلة، تقع في شرك الخطابة السياسية او تنحو الى اسلوب المقالة، ص30، ص38، ص43، ص45.

الأغتراب والتشرذم الذاتي بين ثنائية الداخل والخارج:
يستخدم الكاتب لتعميق فكرة التشرذم والاغتراب الذاتي تقنية التعارضات السايكولوجية - السوسيولوجية، التي يلتزمها على طول الرواية، بين الذات ومحيطها، الداخل والخارج، سواء عبر العلاقة باللغة، الاشياء ، المكان، او البشر. 

فاللغة، حيث " الاشياء تغدو كلمات جاهزة" ص.9 ، تضعه امام محنة جديدة، وتولد فيه قلقا دائما وشكا وخوفا مستمرا حول هويته " اللغة باب إن فتحته على مصراعيه وذابت مع الآخر ساكون غريبا عن ذاتي، وإن أغلقته سأكون أجنبيا وغريبا تماما لدة الآخر"ص.8. ومثلما حياته معلقة بين الغروب والشروق، فهي تقف هنا في منتصف الطريق ايضا، ويضيف الى عجزه السابق عجزا اكثر تعقيدا وصعوبة، الكبت الجنسي ، الفحولة المعطلة " ليس هناك في العالم ما يعوض حرماني" انه ذات معطوبة. والاغتراب يبدو واضحا في المكان ، كما في "لوحة حيرة - ص19"، حيث الشعور الدائم بانه مواطن لقيط .انه يشعر دائما انه غريب ومطارد وموجود في المكان الخطأ. لقد فقد بوصلته ، مكان ولادته ووطنه الذي كان فيه اصلا مغتربا حيث يتذكر قسوة ابيه ومعلم مدرسة اكثر قسوة وحياة معيشية فقيرة. ويتعمق هذا الاغتراب في العلاقات مع الآخرين؛ فصديقه حميد الذي ساعده بامور كثيره، كان يعيش شيزوفرينيا ثقافية دينية ، حيث لاحظ "نزاع حاد بين غريزته وايمانه الحاد" ص.13. حميد الذي فر مع آلاف العراقيين من العراق، ومن ثم أسكنوهم في صحراء رفحه في السعودية بعد انتفاضة عام 1991، عاش هو الآخر قسوة الصحراء والتعذيب والكبت. وهو نفسه الذي قاد "محمد-حسين" الى بائعات الهوى ص.14. حميد يتحول الى صورة آخرى مخفية، وإن كانت غير كاملة، تذّكره بذاته المثلومة واحزانه واغترابه ص.13-14 ،بحيث يشعر بلحظة ضياع حين يقرر الانفصال عنه بسبب سلوكه المتناقض. وهذا الفشل يقوده للتفكير بالبحث عن علاقة ثابتة مع امرأة املا في الاستقرار. يلتقي بامرأة عن طريق الانترنت ويتواصل بالحديث معها، حتى تدعوه الى زيارتها في مدينتها التي تبعد عنه مسافة طويلة، فيصعد الباص، في رحلة مداها ثمان ساعات، وحين يصل محطة المسافرين، التي تنتظره فيها مع ابنها الصغير، وهي تجلس في كرسي متحرك للمعوقين، يصطدم بالمشهد، فيحاول تجنب لقائها لانه شعر بانها خدعته: "لماذا لم تأبه لمشاعري؟ لماذا لم تكن حقيقية وصادقة معي ؟" ص.17. يضاعف هذا المشهد حالة الاغتراب عنده بصورة اكبر والخوف من الآخر وكذب العالم ،ويغالبه شعور بالجزع، وهو يسرع بالابتعاد عنها باتجاه البوابة الخارجية للمحطة، وتجنب اللقاء بها "لا تعذب انسانا آخر، فانت مشلول ايضا" ص.18. وقد عبر عن هذا الخوف من الآخر في مكان آخر ايضا، في " لوحة حيرة"، فإن "تزوج كندية ستتبخر ثقافته وإن تزوج عراقية فسيواجه احفاده مشكلة الانتماء الى الارض" ص.20-21. وحتى حين فكّر بحل ما، كالعودة الى الوطن مثلا، والتخلص من هذا الخوف من الآخر، لم يكون الامر محسوما لديه ، فهذا الانشطار الذاتي ، هذا الاحساس الدائم بالثنائية وهو يفكر بموضوع العودة ، يجعله يطرح السؤال الاكبر والاكثر رعبا:" بأيّ اسم سأعود، المزيف أم الحقيقي؟ "ص. 21، او كما يطرح سؤالا في "لوحة حيرة" :ما عمق جذوري في العراق ؟" ص.19، بحيث يتحول هذا التاريخ الى سؤال محنة ومعاينة ومقارنة دائمة عن الذات وحقيقتها واصالتها. وتتعمق هذه النظرة الشكّاكة الى الذات حين يقارن نفسه بالشرطي الكندي من اصل صيني، الذي يقوم باعتقال احد المواطنيين الاصليين في كندا، اي الهنود، فهو لا يختلف عن هذا الشرطي الذي يطبق النظام على المواطن الاصلي، ص.19، ثم زميله سائق التاكسي اللبناني الذي دعاه الى بيته فتسبب بانفصاله عن صديقته بسبب مفاجأة غير محسوبة منه. في "لوحة غزو" ص.36-39"،يزاوج وهو يراقب حالة ولادة امرأة اضطرارية في سيارته التاكسي، في الوقت الذي كان يستمع فيه من الراديو الى سقوط صدام، هذه الولادة بالموت، وهو يقول " الا ان أذني كانت مشدودتين لصوت المذياع. سمعت إعلان تهشم تمثال القمع وسط بغداد وأنا اتوقف مشدوها اراقب الجنين وهو يتنفس الهواء اخيرا" ص.36. لم تكن الولادة- صناعة الحياة - تشغله عن الموت القادم الى بلاده، لانها كانت ايضا ولادة غير طبيعية، كان يمكن أن تؤدي الى الموت..شعر بانها ولادة كانت ملطخة ومشبعة بالدم، تبعت سقوط الصنم والنظام واحتلال العراق. وهما صورتان مشبعتان برمزية ذكية. فالروائي احس بالدم ، دم احتلال العراق قريبا منه، الى درجة انه شم رائحته واحس بفضائعه، وهو يحاول بعد ذلك غسله من السيارة، رغم ابتعاده عن وطنه العراق الذي يعيش مصيرا آخرا مجهولا يختلف تماما عن وضعه. شعر بالم كبير وهو يسمع دخول الاميركان الى بغداد ، عاد الى بيته ليغسل دماء الولادة التي اصابته، وكانت به رغبة ان يذهب الى جارته كاندي الكندية، لكي يشرح لها اسباب إزالة هذه الكمية من الدماء ؟ قائلا لها بلهجة خاسرة:" لقد حتلوا وطني !" ص.36، حيث لم يتبق معه في تلك الليلة سوى " الوحدة والقهر والخسارة " ص.37

وهكذا يتجدد انشطار الذات مرة اخرى، كان يعيش همّ ثنائية الموت -الاحتلال في العراق " والولادة في كندا. !، وهي اشارة لوصف حالة القلق بين الموت والولادة والاغتراب بينهما. وبين هذين الوضعين كانت حياته معلقة وهويته مثلومة"، ثمة اغتراب مضاعف؛ غريب يحتل الوطن، ومولود غريب يأتي الى العالم في سيارته التاكسي. 

تنتهي حياته، كسائق تاكسي، بقدم بلاستيكية ومعونة شهرية شحيحة للمرضى والمعوقين" ص.61 ، نتيجة مشاجرة مع احد الركاب التي جعلته يجري على الجليد لساعات هربا من جريمة ارتكبها احد الركّاب في سيارته، اذ قام بقتل صديقته، ادى الى بتر قدمة واصبعين في الاخرى . ص61. وهكذا تتسبب علاقته بالآخر بثلم هويته الفيزيولوجية، وتترك لديه شعورا نفسيا بالتشرذم.

وهكذا فقد ساعدت كل تلك التعارضات والاتصالات والمواجهات برسم صورة اوضح لذات الرائي المتشرذمة وحالات اغترابه المستمرة.

الخاتمة 
رواية ميثم سلمان ، هي الرواية التي يبكي ويضحك فيها القاريء في آن واحد. انها رواية كتبت بحرص عالم نفس يغور في اعماق شخصياته، دون ان يلصق بها من المفاهيم الثقافية والعبارات المفتعلة لاقناعنا بصدقها، بل يذهب الى التجربة ذاتها، لكي يكشفها لنا كما هي بحذاقة الرائي المبدع ، بسردية شعرية موجزة ومكثفة الى اقصى حد، وهي سردية تتركز على محور واحد الانسان؛ في غربته وتحولاته الصعبة والمتناقضة في محنة الاغتراب الوجودية، من خلال مشاهد و اسئلة مصاغة بدقة وبحرقة وسخرية لاذعة، يختتمها بشهادة موحية عن بلاد احبها تتعرض للتخريب والدمار، وضعته في محنة امام السؤال الصعب الذي ما زال يتكرر:" انعطافة الاحداث في هذا المنحنى اربكت قناعتي وجعلتني احاكم نفسي ، هل أؤيد مقارعة المحتل واقف بجانب هؤلاء الذين يقاتلونه للعودة الى سلطانهم الضائع متواطئين مع المتعطشين لدماء غالبية الشعب؟ أم اقف مع باقي الشعب الرافض للاحتلال سلميا بتشبثه بعملية سياسية هشة يقودها مرتش أو قائد مليشيات او متطرف او سائس للدسائس؟ ام ارضخ لليأس المطبق من اي امل بالتغيير، وقتل الاهتمام بما يدور، والتنصل حتى من الانتماء للوطن؟ ص.40 من هنا فانها رواية تستحق اهتمام القاريء بها وتلبي توقه الى متعة جمالية وفكرية وحياتية من قراءتها. 


المصادر:
1) الاستشهادات التي اشرت اليها داخل المقالة وارقام الصفحات مأخوذة من رواية : ميثم سلمان: قشور بحجم الوطن، عمان : دار فضاءات، 2011
2) بيلي سوندرز: فن الادب- مختارات من شوبنهاور، ترجمة وتعليق شفيق المقار، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2012، ص47
3) Jean Amery: At the mind's of Limits- Contemplations by a Survivor on Auschwitz and its realities, tr. by Sidney Rosenfeld and Stella P. Rosenfeld, Bloomington: Indiana University Press, 1980, p.28
4) Birgit Bertung : Kierkegaard - begreber, ordbog for Kierkegaard+ læsere, Vinge: Forlag 1, 2010, p.58-59




 شاعر وباحث في علم الاجتماع السياسي 

http://al-nnas.com/ARTICLE/KJassim/11b.htm

Review by Alesbuyia Magazine, Iraq

قشور وطــــن



الرواية العراقية ما بعد التغيير

«أحلم بالخلاص من كل الأقنعة التي تراكمت على سحنتي... إسمي ليس اسمي... وطني ليس وطني... مهنتي ليست مهنتي... بيئتي ليست بيئتي... لغتي ليست لغتي... حسبت، بلجوئي إلى منفاي المتجمد، أنني سأنهي سنين التهميش والعوز التي عاثت بحياتي. لم أكن لأصدق أن كندا ستضاعف من تلكؤ مسيرتي... اللغة ضاعفت منفاي وأضافت قشرة جديدة على جلدي. قشرة تتصلب مع الوقت لتغدو قناعًا أعجز عن إزاحته.» إنها محنة عراقية بامتياز... صورٌ باتت مألوفة «عراقياً»، البحث عبثاً عن الهوية، وأسئلة باتت أجوبتها أكثر مرارة، وأشد ضبابية نتلمسها في رواية «قشور بحجم الوطن» للعراقي ميثم سلمان الصادرة مؤخراً عن دار فضاءات - 2012
يحاول ميثم سلمان الاهتداء إلى السحنة الأصلية للإنسان العراقي، إنسانية الإنسان قبل أن تتعرض للتشويه، طبيعته التي ولد عليها، من خلال إزالة طبقات تراكمت على كيانه الإنساني، أخذت شكل الأقنعة. أقنعة لم يخترها، بل فُرضت عليه منذ قرون، لتحيله إلى مسخ، أو إنسان مزيف...» طبقات من القشور المزيفة تتراكم على ملامحي فضاعت سحنتي الأصلية». هكذا يحمّل المؤلف بطل روايته «محمد أو حسين» هذه المهمة المريرة ليكشف لنا أنه ما مِنْ حدث تاريخي، سياسيًّا كان أم دينيًّا شهده العراق إلا وأضاف قناعًا أو قشرة إلى كدس الأقنعة التي صارت تثقل كيان الإنسان العراقي، لتمنحه شكلاً آخر يتماهى مع الحالة الآنية المفروضة عليه من قبل سلطة جديدة أو قانون جديد: «بحثي عن الملامح الأولى وتقشير الأغلفة المتراكمة على جلدي لا يتقاطع مع إيماني بالإنسان الكوني، بل هو بحث لتحديد هيئتي بين الآخرين ليس إلا. هي فقط لمعرفة صبغتي الحقيقية بإزالة ما تراكم على وجهي من صبغات. هل أنا عربي أم مسلم أم عراقي أم كندي؟ هل اسمي محمد أم حسين أم «مستر كابي» كما ينادونني؟ في كندا يشعر بطل الرواية أن قشرة الإرهاب والتخلف باتت الأكثر ظهورًا على سحنته، عربي، مسلم، وافد، لاجئ، وغيرها من القشور التي كانت تجتمع منصهرة في قشرة واحدة صار يتحسسها من خلال نظرة اشمئزاز خاطفة يرمقها به ابن البلد الأصلي. فهناك من «يصر على أن الدين هو الهوية. وبهذا يضيف قناعًا آخرَ على وجهي... كيف لي إزاحة كل تلك الأقنعة وإظهار جوهر ملامحي الأصلية؟»... ولكن، كيف لبطل الرواية الوصول إلى هدفه وهو الذي أدمن لعبة ارتداء الأقنعة مجبرًا منذ أن دفعته الحرب إلى الفرار وارتداء قناع شقيقة الأكبر «حسين» مدرس التاريخ المتوفى بسبب مرض عضال.
صراع بطل الرواية في محاولاته المريرة لخلع أقنعة بات يعرفها ويعرف تتابعها بدقة، يدله إلى القناع أو القشرة الأكبر، العراق، بلده الذي صار قناعاً يصعب خلعه؛ بلد بات همًّا ثقيلاً يجثم على صدر الإنسان العراقي المغلوب على أمره دائماً «كيف يمكنني مسح صورة العراق المشوهة من رؤوس البعض. تلك التي يرسمها الإعلام المضلل؟ كيف يمكن إثبات أن الشعب العراقي، منذ الأزل، ضحية تتنازع عليها الدول، لا سيّما الجيران: عرب، فرس، ترك؟... العراق مثل فتاة مغتصبة تناوب عليها الجميع لإذلالها وانتهاك حرمتها والتمتع بمفاتنها؟»
 البحث بين الأقنعة عن هوية
وهكذا يُدخِل المؤلف قارئ روايته إلى عالم الاحتلال الأميركي ليسمعه أزيز الرصاص ودوي الانفجارات وعويل النساء واستغاثات الأطفال، من خلال صور متلاطمة؛ نشم من خلالها رائحة الدم العراقي الساخن... من هناك، من كندا، من المنفى، كان البطل يراقب «الجحافل الأميركية ومعاونيها من الدول الأخرى وهي ترج اليابسة والماء والجو بزحفها المهول نحو الوطن. أتسَقط أخبار البلاد المصهورة بحرب جديدة. قرروا لها أن تكون قاصمة، فقد عزموا على إسقاط الطاغية فعلا.» إنها صورة العراقي المنفي أو المغترب الذي عاش حالة امتزاج الفرح بالخوف وهو يتذوق عن بعد مرارة وهلع حالة احتلال بلاده... احتلال البلاد عاصفة هوجاء اجتاحت رأسي. والأكثر هيجانا منه هو تيار الموت العاصف الذي حصل فيما بعد. صار صباح العراق لا يحل إلا ببركان يحصد الأبرياء: ذبح، تفخيخ، خطف، تعذيب، اغتيالات، اعتقالات، سرقات، تخريب، ظلام، إعدامات، وغيرها من مظاهر جعلت البعض من العراقيين يتنكر لعراقيته.»
إن أقسى قشرة يمكننا تلمسها في رواية ميثم سلمان، هي تلك التي تشكك في جذور الإنسان العراقي وحقيقة هويته، ليكون السؤال أكثر اتساعاً والجواب أبعد منالاً... «هل أنا عربي؟ أنا لست رافدينياً إذن!» هذا هو السؤال الأكثر جدلاً الذي تطرحه الرواية؛ سؤال يجعل رواية ميثم سلمان مختلفة قليلاً عن طبيعة أغلب الروايات العراقية الصادرة بعد الاحتلال الأميركي للعراق... سألت أبي مرة عن أصل جدي الأول، قال: «هو عربي قح، جاء من جزيرة العرب». قلت: «يعني أنه غريب على أرض الرافدين!» قال: «الزمن يمحو الفوارق ما بين الأصلي والوافد.» إشارات لا تخلو من همس عميق يحاول أن يفهمنا بأن العراق بلد محتل منذ زمن طويل، وما الاحتلال الأميركي إلا حلقة من سلسلة احتلالات متراكمة، قد لا تنتهي... «هل جاء جدي فعلا مع الفاتحين العرب؟ أم أنه من القبائل العربية القليلة الساكنة أرض الرافدين؟ أم أنه من السكان الأصليين الذين أجبروا على تغيير ديانتهم تحت حد السيف، ورضخوا، فيما بعد، لضغط الواقع لينضموا إلى قبيلة عربية وافدة للحصول على مكاسب اجتماعية؟»... ثم يصل إلى نتيجة أشبه باعتراف مرّ قد يكون مقنعًا للقارئ... «أنحدر من نسب عربي وليس رافدينيًّا، يكرس هذا تحدثي بلغة الفاتحين وتدين قبيلتي بدينهم.» أي إنه يعترف بأن نسبه ودينه ولغته ما هي إلا أقنعة يرتديها فوق سحنته الأصلية... إن حالة التشتت والبحث غير المجدي التي يعيشها بطل الرواية، واهتمامه الكبير بدواخل النفس البشرية، ونضاله من أجل إظهارها تحت الشمس من خلال إزالة القشور أو الأقنعة، قد أصابه بالإحباط، وتلبسه الشعور باللاجدوى، فيصرخ منتفضاً على واقع يراه مرًّا... «متى أعيش مثلما أرغبُ ولو ليوم واحد؟... أعلنت ساعة الصفر لثورتي على كل ذاك الزيف. قررت الخلاص من تراكمات مساحيق التجميل ومراعاة المجتمع وما يشبهها من تحفظات.» وما ثورته تلك إلا إيماناً بالانتحار: «هاجس الانتحار ما فارقني قط، لكني كنت أطرده لحظة التنفيذ.» وتحت تأثير هاجسه هذا، يعد له كأسًا من السم بعد أن يتجمل ويرتدي ثيابًا مريحة نظيفة... يرفع كأسه عالياً ليشرب نخب عذاباته، فيصيح بصوتٍ رجَّ أركان العمارة التي يسكنها: «نخب أخي حسين... نخب العراق المدفون بالقشور... الأرض المغتصبة... الهجرة الدائمة... تلاقح الأقنعة... تشظي وجهي... وداعا أيتها اليقظة القاسية...» إلا أنه لم يمت!

http://www.alesbuyia.com/inp/view.asp?ID=30564

ميثم سلمان: الهويّة المتشظية

حسين السكاف 

«أحلم بالخلاص من كلّ الأقنعة التي تراكمت على سحنتي. اسمي ليس اسمي. وطني ليس وطني. مهنتي ليست مهنتي. بيئتي ليست بيئتي. لغتي ليست لغتي. حسبت بلجوئي إلى منفاي المتجمّد أنّني سأنهي سنين التهميش والعوز التي عاثت بحياتي. لم أكن لأصدّق أنّ كندا ستضاعف من تلكؤ مسيرتي. اللغة ضاعفت منفاي وأضافت قشرة جديدة على جلدي. قشرة تتصلّب مع الوقت، لتغدو قناعاً أعجز عن إزاحته». إنّها محنة عراقية بامتياز. البحث عبثاً عن هوية، وأسئلة أخرى باتت مألوفة «عراقياً»، نتلمّس إجاباتها بمرارة وضبابية، في باكورة ميثم سلمان (1970) الروائية «قشور بحجم الوطن» الصادرة أخيراً عن «دار فضاءات». يحاول الكاتب العراقي المقيم في كندا، الاهتداء إلى سحنة أصليّة للإنسان العراقي، إلى إنسانيته قبل التشويه. يحمّل بطل روايته «محمد أو حسين» هذه المهمة، ليكشف لنا أنّ ما مِنْ حدث تاريخي شهده العراق ـــــ سياسياً كان أو دينياً ـــــ إلّا أضاف قشرةً أخرى على كدسات من القشور والأقنعة، صارت تثقل كيان العراقي. «هل أنا عربي أم مسلم أم عراقي أم كندي؟ هل اسمي محمد أم حسين أم مستر كابي كما ينادونني؟» في كندا، يشعر بطل الرواية بأنّ صبغتَي الإرهاب والتخلّف باتتا الأكثر ظهوراً على سحنته، تضاف إليها «نعوت» مثل: عربي، ومسلم، ووافد، ولاجئ، يتحسّسها في نظرات اشمئزاز خاطفة، يرمقها به ابن البلد الأصلي.
لكنّ بطل الرواية أدمن بدوره لعبة الأقنعة تلك، منذ أن أجبرته الحرب على الفرار، وارتداء قناع شقيقه الأكبر حسين، مدرّس التاريخ الذي توفّي بسبب مرض عضال. أمّا قناعه الأكبر، فصار بلده العراق الذي يحمله كالهمّ الثقيل على صدره. يُدخِل سلمان القارئ إلى عالم الاحتلال الأميركي، ليسمعه أزيز الرصاص ودوي الانفجارات، وعويل النساء، واستغاثات الأطفال. من منفاه الكندي، كان البطل يراقب «الجحافل الأميركية ومعاونيها من الدول الأخرى، وهي ترج اليابسة والماء والجو، بزحفها المهول نحو الوطن». يعيش المغترب حالة امتزاج الفرح بالخوف، وهو يشهد عن بعد سقوط الطاغية، ويختبر هلع احتلال
بلاده.
«هل أنا عربي؟» هذا هو السؤال الأكثر جدليّة الذي تطرحه الرواية. سؤال يجعل من «قشور بحجم الوطن»، تختلف قليلاً عن طبيعة أغلب الروايات العراقية الصادرة بعد الاحتلال الأميركي. يكتب ميثم سلمان: «سألت أبي مرة عن أصل جدي الأول، قال: «هو عربي قحّ، جاء من جزيرة العرب». قلت: «يعني أنه غريب على أرض الرافدين!» قال: «الزمن يمحو الفوارق بين الأصلي والوافد». إشارات لا تخلو من همس عميق، يحاول أن يقول بأنّ العراق بلدٌ محتل منذ زمن طويل، وما الاحتلال الأميركي إلا حلقة من سلسلة احتلالات متراكمة، قد لا تنتهي... «هل جاء جدي فعلاً مع الفاتحين العرب؟ أم أنه من القبائل العربية القليلة الساكنة أرض الرافدين؟ أم أنه من السكان الأصليين الذين أجبروا على تغيير ديانتهم تحت حد السيف؟» حالة التشتت التي يعيشها بطل الرواية، تصيبه بالإحباط، وتلبسه شعوراً باللاجدوى، فيصرخ منتفضاً على واقع يراه مرّاً: «متى أعيش مثلما أرغبُ ولو ليوم واحد؟» وما ثورته تلك إلا إعلان بالانتحار، إذ يعدّ كأساً من السمّ، حين يختار توديع اليقظة القاسية.

http://www.al-akhbar.com/node/33680
 

(دراهم الخلافة) للقاص ميثم سلمان استعادة التراث بلغة العصر

علي كاظم داود
في جريدة الصباح ليوم الاثنين 
24-9-2012 
القصة القصيرة، بوصفها فضاءً سردياً يسعى لإعادة تشكيل العالم، تتسم بقدرة عالية على تمثّل التراث، عبر قنوات نصّيّة، أو تناصّية، تستدعي الرموز التراثية لتساهم في انجاز محتواها المعنوي الذي تريد إيصاله للمتلقي. هذا مع ضرورة النظر إلى التراث الإنساني على أنه تراث سرديّ بالدرجة الأولى، وبالأصل، يحتفي بالحكاية بمختلف تجلياتها، حتى أنها تسللت إلى الشعر، فاستحوذت على جزء كبير من منجزه القديم، واستمرّت لتلتهم القدر الأكبر من الشعر الحديث. فمنذ الملاحم، التي تعد تنويعاً شعرياً، كانت الحكاية محتواها الأساس، بل ومثلت ـ بعمقها وثرائها ـ سبب خلودها أيضاً.
في هذا السياق، تستدعي "دراهم الخلافة" مجموعة "ميثم سلمان" القصصية الصادرة عن دار أزمنة في عمان 2012 ، التراث، إلى ذهنية القارئ، منذ لحظة التعرف الأولى عليها، عبر عنوانها الذي يحمل مدلولاً تراثياً جلياً. هذا العنوان يشير بشكل واضح إلى رمز تراثي سلطوي، "الخلافة" التي تربعت على مدى قرون طويلة على مجريات التاريخ العربي والاسلامي. كما يشتمل أيضاً على أحد لوازم القوة لهذه السلطة، "الدراهم" التي مثلما كانت رمزاً للترغيب والحشد وتكميم الأفواه وتوسيع نطاق القبول، تستدعي أيضاً المعادل الموضوعي لها، أي القمع الذي كانت الدراهم أحد وسائل إشاعته في المجتمع إبان عهود الخلافة.
بعض عناوين القصص في هذه المجموعة القصصية تضمنت مفردات تؤكد الوظيفة الاستعادية، هدف المجموعة الأبرز، ومنها: (ذراع الذاكرة، ملحمة الفيسبوك، القراصنة ما زالوا هناك، دراهم الخلافة). كما حملت بعض عناوين القصص دلالات زمانية أو مكانية، تقارب ذاك الهدف، لما للتراث من ارتباطات وثيقة بالزمان والمكان، فهما الفضاء الذي تنتحله الأحداث، ولا غنى لها عنهما، من قبيل قصص: (صداع مزمن، بستان السيد الحزبي، مدينة الصفيح). أما العنوانات الباقية فقد اختزنت دلالات موضوعية فقط، وهي: (مجرد لعبة، جينات النحس، تمرين في العمى، منظار، ميت بجثتين، الجبن الرومي).
أغلب قصص المجموعة تُبرز نزعة ميثم سلمان الاستعادية للرموز الماضوية، قريبها وبعيدها، بلغة حداثية، لكنها تبدو جلية في قصتين أكثر من غيرها، أولاهما "ملحمة الفيسبوك"، والتي تعلن عن ارتباطاتها الوثيقة بالتراث والحاضر معاً، عبر عنوانها الذي يجمع بين الملحمة، التي هي نتاج أدبي ضارب في اعماق التاريخ، خصوصاً بعد أن يتضح في متن القصة ان المقصود بها "ملحمة كَلكَامش" على وجه التحديد، وبين "الفيسبوك" الذي ستعمل القصة على استعادة الملحمة من خلاله، بوصفه أداة من أدوات العصر الحديث، ووسيلة تواصل اجتماعي افتراضي، سيتسع مداها داخل القصة، لتصبح أداةً للتواصل مع الماضي أيضاً.
ستتخذ القصة من التخاطب بالرسائل، عبر هذا الموقع الألكتروني، تقنية لبناء عالمها، حيث تفترض أن بَطلي الملحمة، "كَلكَامش وأنكيدو" قد تسنى لهما استخدام "الفيسبوك" واللقاء من خلاله ـ افتراضياً ـ مرة أخرى، في وقتنا الحاضر.
"كَلكَامش" الذي لن يصدقه أحد أنه هو نفسه صاحب الملحمة القديمة، سيكون في دار للعجزة، يلقن رفيقاً له لكي يطبع رسائله الموجهة إلى "أنكيدو". هكذا يصطدم التاريخ في هذه القصة بوسائل العصر، سيصبح حيالها عاجزاً ومنبوذاً، لن يأبه به أحد في ظل الانبهار العظيم بهذا البريق الذي احدثته التكنولوجيا. لهذا سنرى أنكيدو، الذي يرمز إلى عنفوان التراث وشبابه، يشكر هذه الوسائل ويشيد بها، حيث يقول: "شكراً للفيسبوك، الذي دلني عليك، يا له من اختراع عظيم، عبارة عن شبكة هائلة من الصداقات، لكن أين هي من اسطورة صداقتنا". وفي هذه الجملة الاخيرة، على لسان أنكيدو، انتقاد لتبدل القيم وتحولها إلى مظاهر فقط، فالاصدقاء صاروا مجرد أرقام و "بروفايلات"، لا يمكن مقارنتها بعظمة التضحية من اجل الصداقة، والتي تجلت في "ملحمة كَلكَامش" الخالدة.
تعمد القصة أيضا للتلاعب بمجريات الملحمة الأصلية، وفق قيم العصر الحديث وأخلاقياته السائدة في الغالب، فكَلكَامش قد استرجع عشبة الخلود من الافعى بعد قتلها واستخراجها من احشائها منقوعة بالسم، فكان لتناولها اثر الخلود لكنها لا تعيد الشباب له، وهو ما يرمز لطلب الحياة حتى لو كانت مغموسة بالذل والتعاسة. الموت إذن لن يتمكن منه، لكن ذلك سيدفع ولده للتآمر عليه بهدف الاستيلاء على تاج الملك، ما يدفع الأب، بالمقابل، للهرب متنكراً بزي امرأة. اما انكيدو فقد عاد للحياة بتوسط إله الماشية الذي حوله إلى تيس ليخرجه من العالم السفلي، حيث سيعاني من الذل والهوان على أيدي الرعاة، في إشارة إلى المتسلطين الظلمة، ما يضطره للهرب وثم الهجرة خارج الوطن حتى يستقر به الترحال في السويد. "ملحمة أنكيدو" هي البديل العصري عن ملحمة كَلكَامش، فبعد أن كانت هذه الأخيرة زاخرة بالأدب الرفيع والقيم السامية، ستغدو ملحمة أنكيدو مجرد قصابة ومحلا لبيع اللحم، يفتحه في بلاد الغربة باعتباره يمتلك خبرة في هذه المهنة، فهو من قطع فخذ الثور السماوي في الملحمة الأصلية. سيشي ذلك بالتبدل الذي طرأ على متطلبات الإنسان في هذا العصر، والذي همه ينصب في الحصول على الطعام والغرائز والحاجات البايولوجية الاخرى، بينما لا يقيم وزناً للقيم الانسانية التي حملتها تلك المدونة الخالدة عبر العصور.
تسمية الدكان ستشعل فتيل عقدة بارزة في القصة، وخلاف شديد بين الصديقين الأزليين؛ لأن كَلكَامش يطلب تغييره، لما فيه من استهانة أو نسخ لملحمته، بينما يرفض أنكيدو ذلك لأنها كل ما يملك في الحياة، ويتمرد على طلب مليكه القديم، ولا يأبه حتى بتوسلاته، وهو تمثيل لظاهرة التمرد على السلطة بكل أشكالها، حيث أن من أبرز سمات انسان هذا العصر النزوع اللامحدود نحو التحرر من كل القيود والأغلال والسلطات.
يستمر الخلاف بينهما إلى نهاية القصة، حيث يصف أنكيدو صديقه العتيد ـ بعد ذاك الإلحاح الشديد ـ بالغطرسة والجبروت الفارغ، ويوجه له اللعن ولكل الظالمين، ويقوم بحذفه من قائمة أصدقائه، وهذه ظاهرة أخرى تتجسد في القصة، فبمجرد ان يخسر المتجبرون سلطاتهم القمعية يصبحون موضع تقريع ومحاسبة على ما ارتكبوه سابقاً، ولن يبقى لهم أصدقاء.
القصة الثانية هي قصة "دراهم الخلافة" والتي تبدأ بقصة إطارية تصف معاناة زوجين في ظل انقطاع التيار الكهربائي، وهواجس الواقع العراقي المفعم بالموت. في عالم الحكي الداخلي لهذه القصة المستلة من يوميات عائلة عراقية ستنبت قصة مؤطرة تقترح الزوجة على الزوج الاشتراك في نسجها، ترويحاً عنهما. الا ان هذه القصة ستحكي عن رغبات هذين الساردين الدفينة، في التحصل على معجزة للخلاص من الوضع المأساوي الذي يعيشانه.
سيحكيان لبعضهما، وللقارئ، بالتناوب، عن راعٍ معدم، يعمل عند صاحب مزرعة جشع، ويحلم بأن يتزوج ابنته، التي هي الاخرى ترغب ـ في سرّها ـ بالزواج من سائس الخيول.
في مجريات القصة ستعلو أصوات الساردَين للتحكم الصريح بمجرياتها، فتقول الزوجة مثلا: "سأمنح هذا الراعي فرصة تحقيق أحلامه" ، وهو ما يؤكد على رغبتها في صناعة واقع تغيب فيه المعاناة التي يعيشانها، وتتحقق فيه الأحلام.
كالعادة، وكما هو في الأحلام الساذجة، يعثر الراعي على كنز، كيس مملوء بالدراهم الفضية، فيركض بها مبتهجاً نحو المدينة، معرضاً القطيع الذي بذمته للضياع؛ لأنه ظن أن سيحصل على ثروة عظيمة من بيع هذا الكنز الكبير. المفاجأة المخيبة ستكون عندما يكشف له الصائغ عن كون الدراهم مسكوكة من فضة رخيصة مليئة بالشوائب. يستمع ذاهلاً لنصيحة الصائغ التي تقول: "إن عثرت على مهرب سيشتريها منك، أو إذا رجع زمن الخلافة فستكون أميراً تحيطك الجواري". فينتهي به الأمر إلى بيع الدراهم لمهرب آثار، بثمن بخس، لا يساوي ربع قيمة القطيع الذي أضاعه في البرية. وهو ما سيمثل خيبة أخرى في واقع لا تفارقه الخيبات، حتى في القصص المتخيّل.
تعاود القصة لتذكيرنا بقصتها الإطارية، وتحكم الساردين بأحداثها، كما تبرز لنا نزاعهما حول وضع النهاية، فالزوجة تريد لها ان تكون نهاية وردية مفرحة، بينما تتهم الزوج بأنه يريد: "من الراعي السعي لإقامة دولة الخلافة، كي يستثمر الدراهم، وتغرق القصة بالدماء". هكذا يمكن النظر للتراث المكتوب في زمن الخلافة، التي كانت تدعي أنها إسلامية. ليالٍ حمراء ونهارات ملطخة بالدماء. وهو ما تستعيد كتابته عملياً بعض الجماعات المتطرفة، التي تنتهج العنف، وترفع الدين شعاراً زائفاً، بينما تستغل أموال البترول في الملذات الفردية والقتل الجماعي.
القصة الأولى عمدت إلى التناص، وفقاً لرؤية جينيت عنه، مع ملحمة كَلكَامش، لتقارن طبيعة التعاطي مع بعض القيم الانسانية بين الماضي والحاضر، ومن ثم تنتقد الانظمة التي تنتهج سلوكاً استبدادياً قامعاً. أما القصة الثانية، فتمثلت، وفقاً لبارت وكريستيفاً، نصوصاً تاريخية تصف بعض المظاهر في العصرين الأموي والعباسي بالذات، في اطار حكائي معيش، لتوجه نقداً لاذعاً للانظمة الحاكمة، والتي لا تأبه بمعاناة المواطن. فالقصتان، إذن ـ ومن ورائهما المجموعة القصصية ـ تصبان في سياق نقد النسق القامع في المجتمع، وتدعوان لحرية وكرامة الإنسان.