Labels

Showing posts with label Articles. Show all posts
Showing posts with label Articles. Show all posts

رواية "الشهر الثالث عشر" ومحاولة الثورة ضد الخرافة

 

ربما يكون اعتماد رواية "الشهر الثالث عشر"  لأحمد سعداوي الأخيرة ، الصادرة عن منشورات نابو في بغداد، على تقانة الحكاية الرمزية هو بسبب سعيها لطرح مفهوم الثورة ضد سلطة الخرافة المقدسة، وليس فقط ضد السلطة السياسية القائمة في عراق ما بعد ٢٠٠٣.

فالكاتب العراقي اليوم قد يجد هامشاً من الحرية – ولو ضئيلاً- في نقد السلطة السياسية، في الوقت الذي ينعدم فيه كلياً هذا الهامش عندما يتعلق الأمر بسلطة المقدس وسدنتها من رجال الدين. السلطة الحاكمة الفعلية. وطبعاً يمتد هذا المنع إلى تناول الشخصيات الدينية المقدسة بطريقة لا تتناغم مع المألوف. خطوط بلون الدم عريضة وقاسية تمتد من نقطة موغلة في التاريخ إلى اللحظة الراهنة.

لذا اختار الراوي زمناً متخيلاً (ربما أربعينيات القرن العشرين)، ومكاناً مفترضاً (ناحية الإمجعْبزة) ليحكي لنا حكاية، تشبه أشعة أكس، تكشف الهيكل العظمي لمايدور من متغيرات وعوامل مهيمنة على الذهنية الجمعية والقرار السياسي في عراق اليوم.

يهرب الطالب الجامعي “عايد" من بطش السلطة ليختبئ عند أهله في تلك الناحية الجنوبية بعد مشاركته بانتفاضة "الشهر الثالث عشر" الشبابية في بغداد، والتي خرجت ضد ظلم وفساد الأحزاب السياسية الحاكمة. يرافقه طائر الهدهد أو جوهر الثورة \ روح الثائر، "تذكر كلاماً سمعه في طفولته من جدته الراحلة (وظفة) بإن روح الإنسان اللائبة غير المرتاحة تطفو من جسده لحظة الموت وتتحوّل إلى طائر، تبقى الروح \ الطائر تدور وتتجول في الأنحاء من دون أكل ولا شرب، وليس لها من هدف سوى أن تري نفسها للناس. روح تتحول إلى شيء مادي قابل للرؤية، هذا هدفها، وتبقى في طيران لائب حتى ينهكها الجوع والعطش فتقع على الأرض ميته، أو ربما تتحّرر الروح أخيراً من هيأة الطير، وتعود إلى بارئها" ص15.

  لكنه يكتشف بإن الثورة الحقيقة هي في مكان آخر، بعيداً عن عاصمة القرار السياسي. ثورة يتحتم قيامها ضد سلطة أبي صلاح، "الرجل الغامض صاحب الكرامات والعطايا الكثيرة لأهالي الناحية" ص8. عجوز أعمى لا ير العالم ولا العالم يراه، لكنه يعرف كل ما يدور في الناحية من خلال عمله في بدالة الهاتف، إذ يتنصت على مكالمات الناس. ويتصل هذا الرجل الغامض بالآخرين عن طريق ابنه الذي لا يتحدث مثل أبناء الناحية، ".. ثم وجدت أن لكنته تشبه حديث شيخ في جامع تزعجها أكثر، (لماذا لا يتحدث مثلنا؟.. أليس من أبناء الناحية أم هو هبط من السماء؟)" ص9.   

بعد أن يكتشف عايد \ الوطني الثائر زيف أبي صلاح \ المقدس الخفي يقوم بثورة ضده لوحده في ناحية الإمجعْبزة، " كان يضرب بعصاه الخشبية على الباب ولا يفهم لماذا صارت بعض الشعارات التي ألفها لتظاهرات الطلبة خلال السنة الماضية تطفو على لسانه. كان يرددها بحمية مع نفسه من دون إمكانية لسماعها من الآخرين. إنه ربما يقوم هنا بحركته الخاصة، أو يفرغ في مكان غريب بعيدٍ عن الساحات في العاصمة، طاقة رفض تمور في صدره على الدوام" ص 143.

 لكنه يفشل ويعامل كمخرب، ".. هل تعرفون ما سيحدث للمخربين؟ سيجلسونهم على قناني الببسي .. حينها ينسون كل الأفكار المخرّبة وإلى الأبد" ص146. بل تتحول هذه المجازفة الجنونية في اقتحام بيت أبي صلاح \ بدالة الهاتف إلى معجزة تكرس قدسية هذا الرجل الغامض، فبعد أن انتهت مواجهة عايد لأبي صلاح يقترب الناس، "أكثر من الباب الذي عليه الصورة الجليلة الباسمة كي يأخذوا البركات منها، بل ويحمل بعضهم كسراً من الحناء المقدس الساقط على الأرض كذكرى أثيرة عن واحدة من المعاجز الاستثنائية التي لا يحدث مثلها كل يوم في ناحية الإمجعبزة والقرى المجاورة لها" ص147.

إذا عرفنا بأن أي نص أدبي يسعى لبث شفرة ما من خلال نسيج الكلمات وسجادة الحكاية فإن نص "الشهر الثالث عشر" ربما يريد القول إن الثورة أو الخطوة الأولى في طريق الألف ميل نحو التغيير الحقيقي هي في التحرر من سلطة الخرافة الكامنة في الوعي الجمعي.  


 نخيل عراقي

 

عن الرواية العراقية

 

أطلعتُ مؤخراً على ثلاث مسودات روايات لمبدعين عراقيين أصدقاء. بعد متعة قراءة هذه المخطوطات الروائية القيمة خرجت بخلاصة تؤكد قناعتني بأن حال الرواية العراقية في أزدهار كبير كماً ونوعاً.

ورغم أن كُتاب هذه المسودات لم يشتهروا محلياً وعربياً كروائيين (الأول مترجم والثاني شاعر والثالث قاص) ألا أنهم كتبوا نصوصاً ستشكل حتما إضافة نوعية للمنجز الروائي العراقي المتميز. حيث راعت هذه النصوص العناصر الفنية في بناء الرواية. فضلا عن ما تحتويه هذه الروايات من بحث تاريخي عميق ومثير في مواضيع إنسانية ومعرفية وسياسية ودينية مثار أهتمام ليس فقط  لدى القاريء العراقي بل العربي والعالمي أيضا. مواضيع مدروسة بشغف الباحث المجرد ومصبوبة في بوتقة الرواية بحرفية عالية.

ثلاث روايات عراقية سترى النور مستقبلاً (واحدة ستنشر قريباً جداً عن دار نشر مرموقة). وربما ستحققن نجاحاً كبيراً رغم أن هذا ليس هو الهم الأساسي الذي يشغل بال هؤلاء المبدعين الثلاثة. فهم يسعون، كما أكدوا لي ذلك في مكالمات هاتفية، لإيصال رسالة معينة إلى القراء من خلال سرد حكاية لبطل عراقي. فكل عراقي له ألف حكاية وحكاية ليسردها. فالذي مر به العراقي سابقاً وما يمر فيه الآن يستحق أكثر من رواية للبوح. إذن، لتكن الرواية هي متنفسه الرحب لمواجهة هذا الأختناق. اختناق كرسه صراع الآيدولوجيات والمذاهب والقوميات وما شابه.  

 أنا مع أن يجرب الجميع كتابة الرواية لأنها الفضاء الأوسع والأكثر حميمية للتعبير عن المحنة. شجعوا وخذوا بيد كل من يرغب بسرد روايتة حيث الرغبة "سبب كاف للخوض في سرد احداث..." كما يقول أمبرتو أيكو في (آليات الكتابة السردية).

زيادة الأصدارات الروائية وقوة الإقبال عليها من القراء هي بالتأكيد حالة صحية تحسب لأي مجتمع. هي ظاهرة تساهم، برأيي، في دفع عجلة الوعي الجماهيرى إلى الأمام. والإسهام في تعميق الوعي النقدي وتفكيك الأفكار الشمولية والحث على نبذ العنف والتشجيع على التسامح والسلام. أليس هذا هو جل ما تحتاج له مجتمعاتنا العربية لمواجهة الخراب الأعظم الذي تعيشه؟ خراب منقطع النظير أنعشه التطرف الديني.

 أما الذي يستهجن غزارة الأنتاج الروائي ويعده شيئا يسيء الى المنجز الروائي العام ويمس قدسية هذا الفن عليه بدل هذه السلبية أن يسعى لتعليم الآخرين وتقديم نصائحه ونقوده التقويمية الأرشادية والتشجيع على إقامة ورش عمل روائية إلخ.

عندما قرأت مسودات هذه الروايات العراقية الثلاث تذكرت أخبار نجاحات الرواية العراقية المفرحة في السنين القليلة الآخيرة كفوز المبدع أحمد سعداوي بجائزة البوكر عن رواية "فرانكشتاين في بغداد" الصادرة عن دار الجمل التي يملكها الشاعر العراقي خالد المعالي وترجمة هذه الرواية للغات عديدة وتحويلها الى فلم هوليودي. وكذلك انتشار روايات علي بدر عربياً وعالمياً، وفوز رواية "حدائق الرئيس" لمحسن الرملي بجائزة رابطة القلم للترجمة الأنكليزية فضلاً عن ترجمة رواياته الأخرى، وكذلك ترجمة روايات إنعام كي جي وسنان أنطوان وعبد الهادي سعدون وغيرهم الكثير. كذلك ترشيح أربع روايات عراقية للقائمة الطويلة لجائزة البوكر مؤخراً (دورة العام 2017، ثلاث منها صدرت عن دور نشر عراقية). وفوز الروائي العراقي عباس خضر بجائزة "لويك" السويسرية وجائزة "ماينتز شتاتشرايبر" هذا العام (2017)، وهي واحدة من أهم الجوائز الأدبية الألمانية وغيرها من الأنجازات الأدبية المهمة التي تؤكد على أهمية الرواية العراقية والروائي العراقي على الصعيد العربي والعالمي. أقول عندما تذكرت هذه الأخبار قلت مع نفسي إنه يجب إعادة النظر بتلك العبارة الشهيرة وغير الدقيقة: "مصر تكتب ولبنان تطبع والعراق يقرأ". عبارة ارتجالية تصور العراقي وكأنه مجرد مستهلك، غير منتج.

 اليوم أصبحت معظم الدول العربية منتجة للفكر والأدب والكثير منها، بنسب متفاوته، لها القدرة على الطباعة. فمن الأصح القول، "العراق يكتب ويطبع والعالم كله يقرأ".

2017

 

العجائبية في (صانع الحلوى) كوسيلة للتهكم

 

تسعى الحكاية العجائبية إلى خلق مفارقة سردية أو تضاد تجانسي لغرض التأثير على المتلقي من خلال ربطها رمزيا بالواقع. هذا هو أهم أهداف الحكاية التي تتخذ خرق الواقع أسلوباً لها. وهو ما سعى إليه الكاتب أزهر جرجيس في مجموعته القصصية (صانع الحلوى) الصادرة عن منشورات المتوسط عام ٢٠١٧. حيث غاص جرجيس عميقاً في مخيال اللحظة التاريخية الراهنة للخروج بلقطة سردية تحاكي مأساة يعرفها القارئ مسبقاً. وبدون هذه المعرفة  لدى المتلقي لا يمكن أن تتحقق المفارقة السردية التي يراهن عليها الكاتب. فمن خلال تضخيم الوقائع وتناول أحداث لها علاقة بمخيلة المتلقي العربي (والعراقي خاصة) تمكن الكاتب من صياغة حكايات تتناول تحديات متنوعة كالتطرف الديني والإرهاب والتهجير والحروب والطغيان والحرمان والموت وغيرها من الأسئلة  المصيرية التي تواجه المواطن العربي الآن.

 آلية بناء الحكايات تشتغل على الغوص في سجل الأحداث لاصطياد حدث مهول ينفع لتوظيفه في حكاية ما. وغالبا ما تكون بداية الحكاية واقعية تشبه خبر في صحيفة بلغتها وبنائها، حيث تظهر الشخصيات المحورية (في أغلب الأحوال) غير ثلاثية الأبعاد، فيكون التعويل على الحدث أكثر من الشخصية. مثال ذلك:

 "في خريف العام 2006، وصلتُ سيراً على الأقدام إلى هنغاريا."  (الكوخ الهنغاري) ص 9.

"في عام 1958م، وفي حفلة السَّحُل البغدادية آنذاك، كان أبي واحداً من المغدورين." (حفلة السحل الصاخبة) ص 31.

"كنتُ عائداً من العمل، مُثقلاً بالهمّ والغمّ. وفي الطريق، رأيتُ كلباً نائماً تحت ظل شجرة." (كلبٌ نائم) ص 89.

 لذا تكون الحركة الدرامية للحكايات في الأغلب هي  تطور الأحداث نفسها وليس متابعة الأبطال أثناء نشاطها في تحريك الأحداث. أحداث تسعى لاختلاق واقع تخيلي يوازي الواقع المعاش. واقعان متجاوران بالشكل لكنهما متعكاسان بالجوهر؛ الواقع المعاش مرير يبعث على البكاء، أما الواقع المتخيل فتهكمي يبعث على السخرية.

يمكن اعتبار حكايات (صانع الحلوى) الأربع والعشرين هي نصوص لرفض الواقع بطريقة عجائبية أو وسيلة لنقد الواقع بالخيال أو قفشات للتهكم الأسود من الشرور التي تحيق بالعالم.

في أكثر من حكاية يتكئ الكاتب على الحلم كتكنيك سردي لتبرير المفارقة الفنتازية. وهي لعبة سردية تشكل ضربة الخاتمة في هذه الحكايات. كما في حكاية (فوق أريكة عرجاء) حيث يختمها بهذه الجملة السردية التي تفسر سبب مسرى الحكاية في مسلك فنتازي: "حينذاك مرّ الغراب الحقير مسرعاً، خطف العصا من يدي، فسقطتُ من الأريكة العرجاء، واستيقظتُ." ص 41.

وفي حكاية (شاهد زور) يعتمد الكاتب نفس التكنيك حيث يختمها هكذا: "لكنّه لم يستطع الاستيقاظ من الكابوس. لقد ركب على صدره جيثوم عظيم، لأنه نسى يومذاك أن يضع كيس الملح تحت الوسادة." ص 55.

وكذلك في حكاية (بريد عزرائيل) التي يختمها الكاتب بهذه الجملة: "حينئذٍ، فتحتُ كلتا عينيّ، لأجدني غارقاً في فراشي من الحُمّى وفراخي ما يزالون نائمين. أعدتُ الغطاء على وجهي ومنتُ نمتُ." ص 107.

مجموعة (صانع الحلوى) هي المجموعة الثانية التي تصدر للكاتب أزهر جرجيس بعد مجموعته (فوق بلاد السواد). وفي كلتا المجموعتين نجد الكاتب قد استثمر بقوة الخيال الجامح لاختزال رسائله التي ينوى بثها إلى المتلقي. رسائل يحاول من خلالها الكاتب ليس فقط تحقيق الإدهاش والإمتاع لدى المتلقي بل أيضاً للهجوم على الواقع المر والثورة على الخراب الذي ينخر المجتمع بأسلوب ساخر. 

                                               

 

النهايات المفتوحة في مجموعة (مدن)

 


بالإضافة إلى الإشارة المكانية في العناوين المزدوجة لقصص مجموعة (مدن) للكاتب حسين السكاف، نجد أن هناك رابطاً آخر تشترك فيه معظم القصص وهو النهايات التراجيدية والمفتوحة. والنهايات المفتوحة في النصوص السردية، كما هو معروف، يتيح للمتلقي فسحة من التأمل عميقاً. تأتي بعيد الانتهاء من القراءة، ليس فقط تأملاً في تأويلات الخاتمة بل أيضاً في ثنايا النص وثيمته الرئيسة. بتعبير آخر، أن النهاية المفتوحة تقترح احتمالات عدة لنهاية الحكاية، في مقابل النهاية المغلقة التي لا تحتمل أكثر من تفسير واحد.

تتكون المجموعة من اثنتي عشرة حكاية تحدث في أمكنة (مدن) متنوعة نعرفها من العناوين، إذ يكون هناك عنوان أولي لكل قصة يشير إلى المدينة التي تقع فيها الأحداث، ومن ثم يأتي عنوان القصة الرئيسي.  تمتد هذه الأمكنة من بلدة في ريف مصر (الصعيد – نجع الزيادي) إلى مدن حديثة في أروبا  ك (برشلونة) أو (كوبنهاغن). فضلاً عما تضمنته المجموعة من مدن متخيلة ك (مدينة الخبز) و(مدينة المعبد). 

وما يلفت النظر في هذه المجموعة هو أن شخصياتها ينحدرون من جنيسيات مختلفة عربية وأجنبية، سُردت حكاياتهم بلغة سلسلة ومتماسكة بعيداً عن التقعرات اللغوية اليابسة التي تشوش مسرى سرد الأحداث.

من أول قصة في المجموعة (بودابست "تحت تمثال كالفن") تتضح لنا قصدية المؤلف باعتماد مفهوم النهاية المفتوحة لختم حكايات مدنه. تنناول هذه القصة موضوع تفشي وتجذر الكراهية عميقاً في المجتمعات المختلفة حتى أكثرها تقدماً. بطل القصة هو لاجئ سوري  ينتظر موعد لقاءه مع المهرب الذي سيعبر به الحدود إلى ألمانيا. وخلال الفترة القصيرة التي يقضيها في هنغاريا يعاني فيها من الكره الواضح على تعابير الوجوه من قبل بعض الناس. وهذا لكره كان من ضحاياه حتى صاحب التمثال (جانوس كالفن 1506 – 1564م) رغم نضاله من أجل بناء مجتمع قائم على الحرية المثالية. بعد حوار طويل مابين البطل (نورس) والتمثال تنتهي القصة بجملة تنفتح على عدة تأويلات: "أعتقد أنني كنت أسمع قصة الرجل البرونزي صاحب التمثال." ص 15.

ونجد هذا النمط من النهايات أيضا في القصة الثانية (مدينة الخبز "بلدة الشبابيك"). تتناول هذه القصة موضوع الزواج أو العشق المفروض على الأهل. وهذا التحدي للمنظومة الاجتماعية التقليدية نجده عند الشخصية المحورية (فيروزة) وأيضاً عند شخصيتين ثانويتين هما، نبهان والبهية. وقد انتهت أحداث القصة المأساوية بالشكل التالي: "وصار ليل البلدة عابقاً بحنين عزف الناي الحزين الآتي من خَربِة (البهية) صانعة التنانير". ص22.

وفي القصة الثالثة (اسطنبول "المكتئب الدنماركي") التي تتحدث عن سائح دنماركي مصاب بانفصام الشخصية ينصحه طبيبه بزيارة اسطنبول، لا تكون النهاية مفتوحة لكنها تراجيدية: "في صباح اليوم التالي، كتبت الصحف التركية، عن انتحار سائح دانماركي منتصف الليلة الماضية وسط إسطنبول." ص32.

وفي قصة (مدينة المعبد "قلادة أمينة") التي يغلب عليها طابع الرمزية الدينية، وموضوع صناعة المقدس والتضحية من أجله. فمجرد أن يعطي رجل شراباً ساخناً لخليط أعشاب إلى مريض، ليشفى بعدها، يصبح هذا الرجل (المبارك) مشهوراً في المدينة خلال ثلاثة أيام ثم يبنى له معبداً يصبح مزاراً فيما بعد: "يؤمه الناس من كل مكان." ص36. ويتغير أسم المدينة على هذا الأساس من (مدينة النهر) إلى (مدينة المعبد). وتصبح أسماء الشيوخ المتوارث زعامتهم للمعبد لها دلالات روحية مقدسة. فتنقش أسمائهم على الليرات الخمس في قلادة أم الرواي (أمينة). وتأتي النهاية مفتوحة وتراجيدية: "ماتت (أمينة) وبعدها بثلاث سنوات ماتت المرابية (ملكية)، وصارت قلادة أمي إرثاً توارثه أحد عشر ابناً من أبناء المرابية... وظلت مدينة النهر تدعى ب (مدينة المعبد)." ص 42.

القصة الخامسة والمعنونة (بغداد "مشهد من هنا...ك") هي عبارة عن مشهد حواري عميق وطويل عن الوضع السياسي العراقي العام بين شاب (خباز) ورجل أربعيني (شاعر) يلتقيان لأول مرة في مقهى بغدادي. نعرف فيما بعد أن شخصيتي القصة الأساسيتين هما شاب و زوجته كانا خلال زمن سرد الحكاية يتفرجان على مسرحية تنتهي بإنفجار المقهى. تأتي نهاية القصة بدلالات متعددة: "إنها ببساطة يا زوجي العزيز... مجرد مسرحية!". ص52.

أما القصة السادسة (برشلونة "صانع الوهم") فتدور أحداثها في مدينة برشلونة وبطلها عجوز أسباني يدعى (خوان غاودي). وهي أيضاً تتضمن حواراً معرفياً عميقاً عن مفهومي الوهم والحقيقة بين الشخصية المحورية (العجوز) وشاب من أمريكا اللاتينية يصنع فقاعات من صابون عن طريق حبل مربوط إلى عصوين. يقول الشاب (صانع الوهم) إنه يبحث عن الطفل أو الإنسان الذي لا يسحره الوهم (الفقاعة) بقدر أهتمامه بدراسة مصدره. وينعكس هذا، بوضوح، على كل وهم في عالمنا، إذ يدعونا النص لأن نتفكر في آليات انتاج الوهم. أي أن علينا رؤية ما وراء الظواهر والتعرف على محركاتها الأساسية. وقد جاءت النهاية بالفقرة التالية: "ابتسم السيد غاودي، وهو يستمع لكلمات الشاب التي تحاول إفهام الأطفال بأن الفقاعات مجرد وهم يبعث للمتعة، وأن الحقيقة تكمن في الخيوط والصابون والريح الذين يصنعون الفقاعات العصية على الإمساك، كونها وهما يشبه الحقيقة..." ص57.

تدور أحداث القصة التالية (دمشق، عدرا "988 والعم شوكت") داخل أحد أجنحة سجن عدرا المركزي. حيث تنشأ علاقة صداقة بين شاب سوري يدعى (رامز) أو (988، الرقم المثبت على بدلة السجن) وبين السجان (العم شوكت). يتعاطف السجان مع السجين البريء والمتورط بدون قصد في قضية تهريب مخدرات من لبنان. بعد سنوات طويلة من الحبس وبعد عامين من تفجر الأحداث المأساوية الدموية في سوريا يغادر كل من كان في السجن "بسرعة جنونية" بعد سماع أصوات "انفجارات متلاحقة". يهرب الأثنان إلى السويد. ونعرف مصيرهما من الخبر الذي نشرته صحيفة محلية سويدية: "صديقان سوريان يلعبان لعبة السجين والسجان، منذ ثلاثة سنوات، داخل مسكنهما المشترك، في شارع (بربارا غاتن) وسط ستوكهولم." ص63.

نرحل بعدها إلى مدينة (مراكش "عند سوق دوار العسكر") حيث تُسرد الحكاية هذه المرة  بصيغة المخاطب (أنت) لكنها تتحول في الخاتمة إلى صيغة الرواي العليم. وهي عبارة عن أحداث متخيلة تدور في ذهن شاب يحلم بكتابة رواية. ويعرض لنا المؤلف مخططاً عاماً لأحداث رواية سوداوية عن بائع بهارات في أحد أسواق مراكش الشعبية، متوقعاً هروب القاريء: "خوفاً من أن تلهتمك نيران النص الكارثي الغارق بالمأساة تاركاً مشروع روايتك إلى الجحيم." ص67. وتنتهي القصة هكذا: "حيث راحت مخيلته تنسج أحداث رواية وهو ينظر بإمعان صوب بائع البهارات المبتسم على الدوام..." ص67.

تدور أحداث قصة (الصعيد – نجع الزيادي "عصافير الهايلة") في قرية نجع الزيادي في صعيد مصر وليست في المدينة. تحكي عن علاقة حب بين الصبي (غباش) مع فرس العمدة (الهايلة): "... وتوجه صوب الزريبة، كأنه على موعد مع عشيقة انتظرها طويلاً..." ص72.  وتنتهي القصة بتحقيق حلم الصبي بأن يمتطي ظهر الفرس أول مرة ويذهب معها  بعيداً رغم أن ساقها "معطوبة" حيث كانت تمشي بخطى غير متزنة جعلت (غباش) يرى العالم يرتفع ويهبط: "يرتفع صوب اليسار ويهبط يميناً." ص74. والنهاية كانت أيضاً مفتوحة: "... والذي شاع في النجع، أن غباشاً قد وصل بالهايلة البحر، لكن لم يقف عنده بل ظل البحر يرتفع شمالاً ويهبط يميناً حتى تعب." ص74.

من خلال عنوان القصة العاشرة (الموصل "العبارة... رحلة القط ميزو") يمكن التعرف على أن الحكاية تتناول كارثة غرق العبارة السياحية في نهر دجلة بمدينة الموصل عام 2019 التي راح ضحيتها العشرات من الأبرياء بسب الحمولة الزائدة. وتمر الحكاية في مقطع قصير منها على فترة احتلال الموصل وما كان يعانيه الناس بمن فيهم بطل القصة (يزن) وعائلته. وبعد تحرير المدينة من  قبضة عصابات داعش الإرهابية يقرر الأب اصطحاب العائلة إلى الجزيرة السياحية في غابات الموصل. وكانوا ذلك اليوم على متن العبارة عندما غرقت، فسقطوا جميعاً (الأب ويزن وأخته نسرين) في النهر ومعهم الدمية (ميزو). وهذه القصة هي الوحيدة التي تختلف نهايتها عن بقية القصص حيث انتهت بنجاة العائلة كاملة من الغرق بعد جهد كبير. لكن الفقرة الختامية لم تخلو من حس تراجيدي: "... حين جلسوا أمام التلفاز، عرفوا أن أكثر من مئة وعشرين روحاً قد زُهقت غرقاً." ص81.

تنتمي القصة اللاحقة إلى جنس أدب الديستوبيا، وهذا ما تقترحه العتبة الأولى للنص، العنوان (العراق – الفلوجة "وطن الغرباء" بعد مرور مئة عام على الاحتلال – الفلوجة عام 2103 . تتناول موضوع مجيء غرباء إلى بستان الجدة في مدينة الفلوجة ليسرقوا الطين من "قلب النهر" بالأتفاق مع السلطات الحكومية. وفي هذا إشارة إلى أن الأجنبي سوف يظل يسرق خيرات الأرض وبالتعاون مع الأنظمة الحاكمة حتى بعد قرن من الزمان. تنتهي القصة بتساؤل تطرحه الضيفة على أمها (الجدة): "أمي... هل صحيح أن المرأة العراقية كانت ترتدي في السابق قطعة قماش على رأسها أينما ذهبت، تسمى الحجاب؟" ص93.

القصة الأخيرة (كوبنهاغن "السفير وتماثيل الحب") تتحدث عن شيخ ستيني يعمل سفيراً للسينغال في الدنمارك. وهي أيضاً، كباقي النصوص، تتناول موضوع قمع الرأي والأضطهاد السياسي والنفي والإغتراب وماشابه. فهذا السفير رغم أنه يعمل في مهنة دبملوماسية مرموقة إلا أنها فرضت عليه فرضاً: "أرادوا إبعادي عن الاحتكاك المباشر بالطلبة، أفكاري لا تعجبهم..." ص97.  فينتهي به المطاف مصاباً بمرض نفسي إلى أن مات. ونعرف من خلال فقرة الخاتمة أن ما قرأناه كان عبارة عن كلمة تأبين يقرأها الطبيب والمعالج النفسي للبطل السيد (مامادو آمباكي): "وهو يقف عند قبره الذي أعدَّ منذ ساعتين تقريباً، والذي مازال ندياً." ص101.

ختاماً أقول إن مجموعة القصص هذه،  الصادرة عام 2019 عن (دار الفراشة للنشر والتوزيع)، قد تضمنت غالبية نصوصها على نهايات مفتوحة وتراجيدية. وكأنها في ذلك تحاكي الواقع الملغز والمرير للشخصيات في عالم تتفشى فيه ظاهرة الكره وتهيمن عليه الأوهام المقدسة. ليس فقط على الصعيد العراقي والعربي فحسب، بل على صعيد دول العالم الثالث أيضاً. يتبين هذا من خلال تنوع جنسيات الأبطال وتنوع الأمكنة (المدن).

 الحوار المتمدن

 

محاولة في فهم فكرة المهدي المنتظر (5)


(5 -5)

(بحث حول المهدي)

أطلعتُ على هذا الكتيب أو البحث أول مرة في بداية التسعينيات. وكانت حينها من المجازفة تداول أي كتاب للفقيه محمد باقر الصدر (1935- 1980م) الذي أعدمه النظام البعثي، مع أخته (آمنة الصدر المعروفة ببنت الهدى) بتهمة التخابر مع إيران. والصدر مفكر شيعي بارز وهو من مؤسسي حزب الدعوة العراقي. له الكثير من المؤلفات الدينية أشهرهن كتب: (فلسفتنا، أقتصادنا، الأسس المنطقية للاستقراء). وبعد إعدامه صارت كل كتبه ممنوعة، قد يتعرض من يتداولها إلى عقوبة شديدة تصل إلى الإعدام. تحصلت على هذا الكتيب من صديق ثقة، ولشدة الحذر كان عليَّ إرجاعه إلى صاحبه بنفس اليوم. كانت مغامرة غير حكيمة حتماً، لكن يبدو أن رغبة القراءة المتنوعة، خصوصاً للكتب الممنوعة، كانت أقوى من مقصلة الرقيب البعثي. أما اليوم فإنك تجد هذا الكتيب متاحاً مثله مثل آلاف الكتب والمصادر على شبكة الإنترنيت، لا رقابة ولا سلطة فكرية من أي نوع.

جاء هذا المبحث بواقع أربعة وتسعين صفحة، وقد أنجزه المؤلف عام 1977م. هو عبارة عن مقدمة لكتاب من أربع مجلدات بعنوان (موسوعة الإمام المهدي) للمرجع الديني محمد محمد صادق الصدر. ومن الجدير ذكره أن الأخير هو ابن عم مؤلف هذا البحث (محمد باقر) ووالد مقتدي الصدر. وهو أيضاً كان قد اغتاله النظام البعثي، مع أثنين من ولده، بمدينة النجف عام 1999م بسبب معارضته للنظام.

يختلف هذا البحث عن غيره من المصادر التي تتناول موضوعة المهدي بأنه لا يعتمد على الروايات التاريخية لإثبات وجود المهدي بل يسعى للإجابة علمياً وفلسفياً على تساؤلات المشككين بوجوده. حيث جاء، إضافة للمقدمة، بثمانية أقسام عبارة عن أجوبة لأسئلة جوهرية تناقش هذه الموضوعة. وهي على التوالي:

·       كيف تأتّى للمهدي هذا العمر الطويل؟

·       المعجزة والعمر الطويل

·       لماذا كل هذا الحرص على إطالة عمره؟

·       كيف اكتمل إعداد القائد المنتظر؟

·       كيف نؤمن بأن المهدي قد وُجد؟

·       لماذا لم يظهر القائد إذن؟

·       وهل للفرد كل هذا الدور؟

·       ما هي طريقة التغيير في اليوم الموعود؟

يقول الصدر في مقدمة البحث عن المهدي إنه: "... واقعاً قائماً ننتظر فاعليته وانساناً معيناً يعيش بيننا بلحمه ودمه نراه ويراها، ويعيش مع آمالنا وآلامنا ويشاركنا احزاننا وافراحنا، ويشهد كل ما تزخر به الساحة على وجه الأرض من عذاب المعذبين وبؤس البائسين وظلم الظالمين، ويكتوي بكل ذلك من قريب أو بعيد." ص10.

في جوابه على السؤال الأول المتعلق بإمكانية عيش الإنسان قروناً كثيرة يستعرض المؤلف ثلاثة إمكانات: (عملي، علمي، منطقي). بما يخص الإمكان العملي لإطالة عمر الإنسان يقول إنه: "ليس ممكناً امكاناً عملياً على نحو الإمكانات العلمية للنزول إلى قاع البحر أو الصعود إلى القمر، ذلك لأن العلم بوسائله وأدواته الحاضرة فعلاً... لا تستطيع أن تمدد عمر الانسان مئات السنين." ص23. وما يتعلق بالإمكان العلمي يذكر المؤلف أنه لا يوجد ما يبرر رفض ذلك نظرياً حيث يمكن من هذه الناحية: "إذا عزلت الانسجة التي يتكون منها جسم الانسان عن تلك المؤثرات المعينة أن تمتد بها الحياة وتتجاوز ظاهرة الشيخوخة وتتغلب عليها نهائياً." ص24، وهذا حصل، حسب المؤلف، في المختبرات العلمية حيث استطاع علماء الحيوان إطالة عمر بعض الحيوانات مئات المرات بالنسبة إلى أعمارها الطبيعية. أما عن الإمكان المنطقي أو الفلسفي فيقول إن ذلك ليس مستحيلاً من الناحية العقلية التجريدية كون الحياة كمفهوم لا تستبطن الموت السريع. ويستخلص من جوابه عن إمكانية إطالة عمر المهدي أنه: "بعد أن ثبت امكان هذا العمر الطويل منطقياً وعلمياً، وثبت أن العلم سائر في طريق تحويل الإمكان النظري إلى امكان عملي تدريجياً لا يبقى للاستغراب محتوى الى استبعاد ان يسبق المهدي العلم نفسه، فيتحول الإمكان النظري الى امكان عملي في شخصه قبل أن يصل العلم في تطوره إلى مستوى القدرة الفعلية على هذا التحول.. انه ليس ذلك هو المجال الوحيد الذي سبق فيه الإسلام حركة العلم. أو ليست الشريعة الإسلامية ككل، قد سبقت حركة العلم والتطور الطبيعي للفكر الإنساني قروناً عديدة؟" ص27. وينهي إجابته على سؤال العمر الطويل بسؤال: "فلماذا نقبل نوح الذي ناهز ألف عام على أقل تقدير ولا نقبل المهدي؟" ص30.

ثم يعود في القسم اللاحق ليؤكد إمكانية حدوث إطالة العمر لأكثر من ألف عام حتى لو لم تكن ممكنة علمياً وذلك بحدوث معجزة إلهية تتكفل بتعطيل قانون الطبيعة: "وليست هذه المعجزة فريدة من نوعها، أو غريبة على عقيدة المسلم المستمد من نص القرآن والسنة... كثير من القوانين الطبيعية التي عطلت لحماية اشخاص من الأنبياء وحجج الله على الأرض ففلق البحر لموسى، وشبه للرومان انهم قبضوا على عيسى ولم يكونوا قد قبضوا عليه، وخرج النبي محمد (ص) من داره وهي محفوفه بحشود قريش التي ظلت ساعات تتربص به لتهجم عليه، فستره الله تعالى عن عيونهم وهو يمشي بينهم." ص34.

وفي الإجابة على السؤال الثاني المتعلق بالحرص على هذا الإنسان بالذات من قبل الله فتتعطل من أجله القوانين الطبيعية يقول: "لما كانت رسالة اليوم الموعود تغيير عالم مليء بالظلم بالجور، تغييراً شاملاً بكل قيمه الحضارية وكياناته المتنوعة فمن الطبيعي أن تفتش هذه الرسالة عن شخص أكبر في شعوره النفسي من ذلك العالم كله، عن شخص ليس من مواليد ذلك العالم الذين نشأوا في ظل تلك الحضارة التي يراد تقويضها واستبدالها بحضارة العدل والحق." ص44. ويؤكد على أنه من الضروري لهذا الإنسان أن يزامن كل الحضارات ويراها بعينه، ولم يقرأ عنها في كتب التاريخ. وعليه يكون: "من الطبيعي أن تتطلب العملية في هذه الحالة قائداً قريباً من مصادر الإسلام الأولى." ص48.

وعن رده على الكيفية التي تم بها إعداد القائد المنتظر وهو لم يعاصر أباه إلا خمس سنوات يقول الصدر: "إن المهدي (ع) خلَّف أباه في امامة المسلمين، وهذا يعني انه كان اماماً بكل ما في الامامة من محتوى فكري وروحي في وقت مبكر جداً." ص51. ويدرح عدة نقاط لتوضيح ظاهرة الإمامة المبكرة:

·       لم تكن الامامة تنتقل بالوارثة بل هي تكتسب ولاء قواعدها الشعبية الواسعة عن طريق التغلقل الروحي والاقناع الفكري لتلك القواعد.

·       هذه القواعد الشعبية بنيت منذ صدر الإسلام، وازدهرت واتسعت على عهد الإمامين الباقر والصادق.

·       شروط هذه المدرسة والقواعد التي تمثلها شديدة في مسألة تعيين الإمام والتعرف على كفاءته، لأنها تؤمن بأن الإمام لا يكون إماماً إلا إذا كان أعلم علماء عصره.

·       بسب القمع الذي كان يتعرض له الأئمة على يد سلطات الخلافة فإن إمامة أئمة أهل البيت كان يكلفهم غالياً ولم يكن له من الاغراءات سوى ما يحس به المعتقد.

·       التفاعل المستمر والواضح بين الإمام وقواعده الممتدة في أرجاء العالم الإسلامي.

·       الخلافة المعاصرة للأئمة كانت تنظر إليهم وإلى زعاماتهم الروحية والإمامية بوصفها مصدر خطر كبير على كيانها ومقدراتها.

ولهذه الأسباب يرى المؤلف أن ظاهرة الإمامة المبكرة كانت ظاهرة واقعية ولم تكن وهماً: "لأن الإمام الذي يبرز على المسرح وهو صغير فيعلن عن نفسه إماماً روحياً وفكرياً للمسلمين، ويدين له بالولاء والإمامة كل ذلك التيار الواسع لابد أن يكون على قدر واضح وملحوظ بل وكبير من العلم والمعرفة وسعة الأفق والتمكن من الفقه والتفسير والعقائد." ص57. ويستشهد لإثبات هذه النتيجة بالآية القرآنية: "يا يحى خذ الكتاب بقوة وآتنياه الحكم صبيا". ص60. وبهذا يتوصل الصدر إلى نتيجة مفادها ألا يكون هناك مبرراً للاعتراض على إمامة المهدي وهو طفل.

في السؤال الرابع المتعلق عن إمكانية وجود المهدي يقول إن كثرة الأحاديث والروايات التي تؤكد على وجوده دليل كاف على إثبات ذلك: "قد أحصي أربعمائة حديث عن النبي (ص) من طرق إخواننا أهل السنة كما أحصي مجموع الأخبار الواردة في الإمام المهدي من طرق الشيعة والسنة فكان أكثر من ستة آلاف رواية." ص64. وفي هذا الصدد يطرح الصدر دليلين لتبرير تجسيد فكرة الإمام الثاني عشر: (إسلامي وعلمي). الدليل الإسلامي، يتمثل في مئات الروايات صحيحة السند الواردة عن النبي محمد وأئمة أهل البيت والتي تدل على تعيين المهدي وكونه من أهل البيت ومن ذرية الحسين. وأما الدليل العلمي، فهو يتكون من تجربة الغيبة الصغرى التي عاشتها الشيعة لسبعين سنة تقريباً. وهذه الغيبة كانت بمثابة تمهيد، وفق ما يطرح المؤلف، لكي تألف القواعد العامة قضية غياب الإمام بالتدرج، وهي قد: "حصنت الشيعة بهذه العملية التدريجية عن الصدمة والشعور بالفراغ الهائل بسبب غيبة الإمام." ص67.

عن سؤال: لماذا لم يظهر القائد إذن؟ يجيب الصدر بأن كل عملية تغيير اجتماعي يرتبط نجاحها بشروط وظروف موضوعية وبدونها لا يمكن تحقيق أهداف هذه العملية. ومن أهم هذه الظروف اللازمة لخروج المهدي هي: "فمن الناحية البشرية يعتبر شعور إنسان الحضارة بالنفاد عاملاً أساسياً في خلق ذلك المناخ المناسب لتقبل رسالة العدل الجديدة." ص80، حيث يكون الإنسان حينها في حاجة: "إلى العون، متلفتاً بفطرته إلى الغيب أو إلى المجهول." ص80. ومن الناحية المادية يقول المؤلف إن شروط الحياة الحديثة هي أقدر من شروط الحياة القديمة في عصر الغيبة الصغرى على انجاز الرسالة في العالم كله لما يتوفر الآن من وسائل تقنية حديثة.

وهل للفرد مهما كان عظيماً القدرة على انجاز هذا الدور العظيم؟ يجيب الصدر على هذا التساؤل بتوضيح وجهة نظره للتاريخ والتي ترتكز على مبدأ أن التاريخ يحتوي على قطبين: (الإنسان والقوى المادية المحيطة). فكما تؤثر القوى المادية في الإنسان يؤثر الإنسان فيما حوله من ظروف: "... فالإنسان والمادة يتفاعلان على مر الزمن وفي هذا الإطار بإمكان الفرد أن يكون أكبر من ببغاء في تيار التاريخ، وبخاصة حين ندخل في الحساب عامل الصلة بين هذا الفرد والسماء. فإن هذه الصلة تدخل حينئذٍ كقوة موجهة لحركة التاريخ." ص86. وهذا، حسب المؤلف، ما تحقق في تاريخ النبوات وخصوصاً في تاريخ النبوة الخاتمة: "وما أمكن أن يقع على يد الرسول الأعظم يمكن أن يقع على يد القائد المنتظر." ص86.

السؤال الأخير الذي يجيب عنه الصدر هو: (ماهي طريقة التغيير في اليوم الموعود؟) حيث يقول إن تحديد الإجابة يرتبط بمعرفة الوقت وخصائص المرحلة التي يظهر فيها المهدي: "وما دمنا نجهل المرحلة ولا نعرف شيئاً عن ملابساتها وظروفها فلا يمكن التنبؤ العلمي بما سيقع في اليوم الموعود." ص89. ويضيف فيما بعد قائلاً: "وهناك افتراض أساسي واحد بالإمكان قبوله على ضوء الأحاديث التي تحدثت عنه والتجارب التي لوحظت لعمليات التغيير الكبرى في التاريخ، وهو افتراض ظهور المهدي (ع) في أعقاب فراغ كبير يحدث نتيجة نكسة وأزمة حضارية خانقة... هي نتيجة طبيعية لتناقضات التاريخ المنقطع عن الله- سبحانه وتعالى- التي لا تجد لها في نهاية المطاف حلاً حاسماً." ص90.

 

خاتمة

ختاماً أود الإشارة إلى أنه علاوة على قراءة هذه الكتب الأربعة، كنت قد أطلعت على فصول متفرقة لكتب أخرى كالجزء الحادي والخمسون من كتاب (بحار الأنوار) للعلامة محمد باقر المجلسي الأصفهاني (1627م -1699م)، والجزء الأول من كتاب (رسائل في الغيبة) للشيخ محمد بن محمد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد (947م – 1022م)، وكتاب (المتنبي يستعيد أباه) للكاتب العراقي عبد الغني الملاح (1920م -2000م). وهذا الكتاب الأخير يتحدث عن نسب الشاعر أبو الطيب المتنبي الذي يقول إنه ابن المهدي من بنت كان قد تزوجها سراً في مدينة الكوفة عندما كان في عمر ستة وأربعين عاماً. ويعتقد المؤلف أن المهدي قد توفي قبيل موت النائب الرابع (السمري) في عام 329ه: "فهي (الغيبة الصغرى)- اذن- إما تمثل عمر الامام محمد المهدي وإما تمثل الفترة الزمنية التي أختفيت فيها نشاطاته السياسية والمذهبية وانتهت بموت وكيله الأخير. وربما يكون الامام محمد المهدي قد توفي قبل هذا التاريخ ولكن تلك الوفاة كانت قطعاً ضمن الفترة التي عاشها أبو الحسن علي بن محمد السمري وكيلاً للإمام مابين عامي 326 – 329 ولم ير من مصلحة (القضية) التي تخص المسلمين ومستقبلهم وتجمعهم حول (الامام المنتظر وظهوره) ليملأ الأرض عدلاً بعد ان ملئت جوراً اعلان ذلك، إذ أن إعلان وفاة الإمام محمد المهدي في ذلك الظرف الحرج، لا شك يمزق جوهر القضية. وان المؤشر المنطقي لهذه الاستنتاج تنهدات الوكيل الطويلة عندما حضرته الوفاة، وقوله ذو المغزى العميق (لله أمر هو بالغه)." ص52.

وأطلعت كذلك على عدة مقالات متنوعة حول المهدي، مع مشاهدة بعض المحاضرات على موقع يوتيوب أهمها كان قسماً من سلسلة محاضرات (الأطروحة المهدوية) للمرجع الشيعي كمال الحيدري (عشرين حلقة)، وحواراً بعشر حلقات بين الباحث أحمد الكاتب وآية الله علي الكوراني على قناة المستقلة. وبالتأكيد هناك الكثير الكثير من المراجع المهمة التي تسلط الضوء على فكرة المهدي المنتظر من الضروري مطالعتها أيضاً.

وقد استعرضت أعلاه هذه الكتب، التي توفرت لي فرصة مطالعتها، من جوانب مختلفة ومتناقضة (مع وضد)، بتقريرية مجردة من أي تحليل أو تعليق شخصي، وهدفي الأساس هو وضع أهم ماجاء فيهن من أفكار أمام أنظار القارئ غير المختص سعياً لتوسيع مداركه حول هذا الموضوع المهم. فلم أرتأي التعليق على غرائبية بعض الروايات أحتراماً لعقيدة الذين يؤمنون بالمهدي نظراً لحساسية هذه العقيدة عند معتنقيها، فلدي تجارب شخصية في هذا المضمار. وهنا أجد من الضروري التأكيد مرة أخرى على أن مسألة التقديس هي نسبية فما تراه أنت مقدساً قد يراه غيرك العكس. وفي الواقع أن ما يجعل هذا المعتقد أو ذاك محترماً عند الأغلبية، بما فيهم الذين لا يؤمنون به، هو قوة انتشاره في ذلك المكان. فمثلاً، لو كنت تعيش في الهند وترى الهندوس يبجلون البقرة ويمنحونها مكانة مهمة قد تصل للتقديس، سوف لا تتجرأ أن تسخر من هكذا طقوس أمامهم. لكنك قد تهزأ بهم لو كنت في مكان آخر. بل قد تكفرهم (إن كنت مسلماً مثلاً) لأنهم وثنيون وفق قناعاتك الدينية، وربما قد تحط من مستوى تفكيرهم رغم أن ديانتهم هي الديانة الثالثة بعد المسيحية والإسلام (يقدر عدد معتنقيها بأكثر من مليار شخص حسب وكيبيديا). وذات الشيء ينطبق على طقوسك ومقدساتك. يسرى هذا الحال على جميع الديانات والمعتقدات حتى أكثرها غرابة، كالديانة المارادونية مثلاً، حيث يقدس أتباعها لاعب كرة القدم مارادونا. ولديهم كنيسة في الأرنجنتين تسمى (الكنيسية المارادونية Iglesia Maradoniana )، ويحتفل أتباعها ب (كريسمس ماراونا) في الثلاثين من شهر تشرين الأول من كل عام، وهو عيد ميلاد مارادونا.

بعد هذه الجولة الفكرية المتواضعة يمكنني القول إنني قد أشبعت نسبة كبيرة من فضولي وألقيت بعض الضوء على شخصية المهدي عند الشيعة الاثني عشرية. ويمكنني القول إنني فهمت بدرجة لا بأس بها فكرة المهدي التي تعد من الأفكار المحورية  في عقيدتهم. ولهذا نجد تأثيرها القوي في مجتمع الشيعة حيث يوجد طقس ديني يمارسونه، وهو زيارة مرقدي الإمام الحسين وأخيه العباس في كربلاء في النصف من شعبان كل عام تخليداً ليوم ميلاده. وهذا الطقس يسمى ب (الزيارة الشعبانية)، يؤديه الملايين ليس من شيعة العراق فحسب بل من شيعة الدول الأخرى أيضاً.

والذين يؤمنون بوجود المهدي يتمنون ظهوره عاجلاً، حيث يلحقون عبارة: (عجل الله فرجه) بعد ذكر اسمه، مع وضع اليد اليمنى على الرأس. ومنهم من يقول بوجوب الوقوف احتراماً لمقامه. وقد تسمع أحياناً عبارة: (وعجل فرجهم) بعد ترديد الصلاة على محمد النبي: (اللهم صل على محمدٍ وآلِ محمد)، وأحياناً تسمع من يضيف عبارة أخرى عليها: (وألعن عدوهم). أما أتباع مقتدى الصدر فيقولون الصلاة على النبي بالشكل التالي: (اللهم صل على محمد وآل محمد وألعن عدوهم وأنصر ولدهم مقتدى، مقتدى، مقتدى).

 

أنتهى

موقع الحوار المتمدن

محاولة في فهم فكرة المهدي المنتظر (4)


(4 -5)

(الإمام المهدي "حقيقة تاريخية؟.. أم فرضية فلسفية؟)

هذا الكتاب الذي اطلعت عليه في رحلة التعرف على شخصية المهدي هو الجزء الثاني من كتاب (تطور الفكر الساسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه) للباحث العراقي أحمد الكاتب المولود في مدينة كربلاء عام 1953م. ويعد الكاتب، حسب وكيبيديا، من أعلام (حركة إصلاح التراث الإسلامي). واسمه الحقيقي هو عبد الرسول عبد الزهرة عبد الأمير الأسدي، أما أحمد الكاتب فهو الاسم الحركي له خلال عمله في منظمة العمل الإسلامي المناهضة لنظام صدام حسين.

والكاتب أصدر عدة مؤلفات أثارت جدلاً، ومازالت، في الوسط الشيعي من بينها هذا الكتاب (الطبعة الخامسة والصادرة عام 2007م عن الدار العربية للعلوم)، وغاية هذا الكتاب كما يؤكد المؤلف في مقدمته هو: "إثراء البحث حول الموضوع (المهدي)، وتطوير الفكر السياسي الشيعي خطوات أوسع نحو الديمقراطية". ص14. ثم يفصل المؤلف في مسألة الشورى ويقول إنها نظرية (أهل البيت) السياسية، إذ لم يدعوا إلى الخلافة بالنص من الله والتعيين من الرسول، كما تقول النظرية الإمامية التي لم تظهر إلا في بداية القرن الثاني الهجري. وأصحاب هذه النظرية يستندون على مبدأ جوهري وهو أن النبي محمد كان قد أوصى لعلي بن أبي طالب في حديث الغدير الذي قال فيه النبي: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه". لكن أمر هذه الوصية كان: "يتعلق بالأمور العادية والشخصية، ولم تكن له علاقة بالسياسة والإمامة أو الخلافة الدينية." ص16. ويضيف المؤلف: "ولو كانت الخلافة بالنص من الله والتعيين من الرسول كما تقول النظرية الامامية، لم يكن يجوز للإمام الحسن أن يتنازل عنها لأي أحد تحت أي ظرف من الظروف." ص18.

يقول الكاتب إن فريقاً صغيراً من المتكلمين الشيعة قام بالغلو في أهل البيت، وادعى بعضهم أن: "الإمامة مفروضة من الله، وهي في أهل البيت، وأنها متوارثة في ذرية الحسين بصورة عمودية إلى يوم القيامة، وإنها تثبت بالنص أو الوصية أو المعاجز الغيبية" ص21. وقد ظهرت هذه الفرقة في ظل ظروف قاهرة تعرض لها الشيعة على يدي الخلفاء الأمويين والعباسيين، وبعد فشل عدة ثورات قامت بها الشيعة كثورة زيد بن علي في الكوفة سنة 122ه، وابنه يحيى سنة 125ه، وعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر الطيار سنة 128ه، وثورة الأمام محمد ذي النفس الزكية سنة 145ه.

كما تعرضت هذه النظرية لأزمات وصدمات كبيرة خلال فترة نشوءها الأول أنتجت عن ذلك انقسامات إلى عدة فرق: "... وبينما كانوا يحاولون إثبات إمامة الرضا (الإلهية) بالنصوص والمعاجز، توفى الإمام الرضا في خراسان... وكان ابنه (محمد الجواد) يبلغ من العمر سبع سنين، مما أحدث أزمة جديدة في صفوفهم، وشكل تحدياً كبيراً لنظريتهم السرية الوليدة. حيث لم يكن يعقل ان ينصب الله تعالى لقيادة المسلمين طفلا صغيراً غير مكلف شرعا، محجوراً عليه... ولم تتح له الفرصة للتعلم من أبيه الذي تركه في المدينة وله من العمر أربع سنوات. وهذا ما أدى إلى انقسام الامامية إلى عدة فرق:

أ‌-             فرقة عادت إلى الوقف على موسى الكاظم.

ب‌-          و فرقة ذهبت إلى أخي الإمام الرضا (أحمد بن موسى).

ج- وفرقة قالت بإمامة الجواد.

وبعد موت الأمام الحادي عشر (الحسن العسكري) دون أن يشير إلى وجود ولد له أو يوصي إلى أحد بالإمامة حدثت انقسامات جديدة: "مما أدى إلى وقوع الأزمة الكبرى والحيرة العظمى في صفوف الامامية، وتفرقتهم إلى أربعة عشر فرقة، كل يقول برأي مختلف." ص35.

وعن ميلاد النظرية الإثني عشرية يقول المؤلف إنها نظرية حدثت خاصة في صفوف الشيعة الموسوية، وقد قال جناح متشدد منهم بوجود: "قائمة مسبقة وتحديد أسماء الأئمة من قبل الرسول الأعظم باثني عشر إماما، والغرض من هذه القائمة هو لإثبات وجود الإمام الثاني عشر.

بعد موت الحسن العسكري استغل أخاه جعفر بن علي الهادي الفراغ بعدم وجود ولد لأخيه: "وعدم وصيته أو إشارته إلى أحد، فادعى الإمامة لنفسه بعد أخيه... وكتب إلى بعض الموالين في قم – التي كانت مركزا للشيعة يوم ذاك – يدعوهم فيها إلى نفسه ويعلمهم أنه القيم بعد أخيه." ص42.

وكاد أهل قم أن يستجيبوا لجعفر لكنهم طلبوا منه الإجابة على عدة مسائل، وأرسلوا وفداً منهم إلى جعفر لمحاورته ولم يجب عنها. في رواية أخرى يوردها بعض العلماء الشيعة كالصدوق والطوسي ومحمد الصدر تقول: "إن الوفد سأل جعفر عن الغيب، وطالبوه بإخبارهم عن كمية الأموال التي يحملونها من قم وعن أصحابها، وقالوا: إن الحسن كان يخبرهم بذلك، فرفض التحدث بالغيب واستنكر نسبته إلى أخيه." ص43.

ثم يسرد المؤلف حكاية نشوء فكرة وجود الإمام الثاني عشر: "وبالرغم من عدم توصل كثير من الشيعة الذين بحثوا عن ولد للعسكري إلى أي نتيجة... كان بعض أصحاب الإمام العسكري يهمسون في آذان الشيعة، بتكتم شديد، ويدعون وجود ولد له في السرّ، ولد قبل وفاته بسنتين أو ثلاث... ويطلبون من عامة الشيعة التوقف عن البحث والتفتيش عنه، أو السؤال عن اسمه... وكانوا يفسرون ادعاء الجارية صقيل بوجود الحمل عند وفاة العسكري، بأنها محاولة للتغطية على وجود الولد في السرّ. وكان منهم عثمان بن سعيد العمري، وكيل الإمام العسكري المالي، ومحمد بن نصير النميري، وأبو القاسم الجعفري، واحمد بن هلال العبرتائي الكرخي، واحمد بن إسحاق القمي. وآخرون... وقد عرف هؤلاء... بعد حوالي مائة عام، ب: (الاثنا عشرية)." ص48.

بعدها يلخص الكاتب المرتكزات الأساسية التي يستند إليها المتكلمون في الدليل الفلسفي أو العقلي على وجود المهدي وهي:

"أولاً: ضرورة وجود الإمام (أي الرئيس) في الأرض. وعدم جواز بقاء البلاد فوضى بلا حكومة.

ثانياً: ضرورة عصمة الإمام من الله، وعدم جواز حكومة الفقهاء العدول، أو الحكام العاديين.

ثالثاً: وجوب حصر الإمامة في أهل البيت وفي أبناء علي والحسين إلى يوم القيامة.

رابعاً: الإيمان بوفاة الإمام الحسن العسكري، وعدم القول بغيبته ومهدويته.

خامساً: الالتزام بقانون الوراثة العمودية، وعدم جواز انتقال الإمامة إلى أخوين بعد الحسن والحسين." ص51.

ويستعرض بعدها الروايات الكثيرة التي سطرها علماء الشيعة في أهمية الدليل العقلي ووجوده ليخرج بنتيجة: "ولابد هنا من القول: إن "الدليل العقلي" على وجود (الإمام محمد بن الحسن العسكري) ليس دليلا عقليا محضا، بحيث يستطيع أي عاقل مجرد ان يتوصل إليه تلقائيا، وإنما يعتمد على مقدمات نقلية عديدة." ص55.

ثم يناقش الدليل الثاني الذي تعتمد عليه الإمامية بإثبات وجود المهدي وهو دليل النقل ويقسمه إلى قسمين هو القرآن والأحاديث. في القسم الأول يورد بعض الآيات القرآنية التي يقول علماء الشيعة إنها نزلت في المهدي وهي على التوالي:

1-            الآية من 4 إلى 6 من سورة الإسراء

2-            الآية 148 من سورة البقرة

3-            الآية 53 من سورة فصلت

4-            الآية 88 من سورة ص. والآية 81 من سورة الإسراء

5-            الآيتان 12 و 13 من سورة الأنبياء

6-            الآية 75 من سورة مريم

7-            الآية 42 من سورة ق

8-            الآية 33 من سورة التوبة

9-            الآية 55 من سورة النور

10-          الآية 5 من سورة القصص

وكل هذه الآيات، يقول المؤلف، وان لم تكن صريحة: "إلا انها تأول بالمهدي القائم. ويستدل بها على وجود وولادة (محمد بن الحسن العسكري) بعد إثبات أنه (المهدي القائم) لا غيره." ص62.

أما قسم الأحاديث التي يعتمد عليها علماء الشيعة كدليل على ضرورة الغيبة وتتنبأ بالمهدي المنتظر وما شابه، سواء بشكل عام أو خاص، والتي رويت عن محمد النبي أو الأئمة فيشمل على:

1-            الروايات الواردة حول المهدي والقائم

2-            الروايات الواردة حول الغيبة والغائب

3-            الروايات الورادة حول الاثني عشر إماما

4-            المهدي الإمام الثاني عشر

5-            حتمية وجود الحجة في الأرض

وفي مبحث الدليل التاريخي على ولادة المهدي يعترف من يدعو به بأن: "الظاهر من حياة الإمام العسكري وسيرته ينفي أن يكون له ولد، ولكنه (الدليل التاريخي) يقول: إن الظروف السياسية لم تكن لتسمح للحسن العسكري بإعلان وجود ولد له." ص67.

وعن أم المهدي يقول المؤلف إن هناك تعدد بالروايات حول اسمها فأبي ثلج البغدادي والمسعودي والطوسي والمجلسي يقولون إن اسمها (نرجس)، والصدوق يقول (مليكة) وفي رواية أخرى (صقيل) وهناك: "عدة أسماء أخرى يذكرها المجلس هي (سوسن) و (ريحانة) و (خمط) وينقل عن الشهيد الأول في (الدروس): انها حرة وان اسمها (مريم بن زيد العلوية)." ص70.

والاختلاف حاضر أيضا في روايات تاريخ مولد المهدي فالشيخ المفيد يقترح عدة تواريخ لذلك: (شهر ذي القعدة سنة 257ه أو 258ه أو النصف من شعبان سنة 255ه، أو سنة 252ه)، والشيخ الصدوق يقول إنه ولد في 8 شعبان سنة 256ه. والشيخ الطوسي فيقول إنه ولد في النصف من رمضان ثم يتفق مع الشيخ المفيد في أنه ولد في النصف من شعبان سنة 255ه. لكن الروايات تجمع على أنه: "ولد بصورة سرية وظل أمره مخفيا." ص70.

ويعد أهم دليل تاريخي على ولادة المهدي حسب رواية المؤمنين بوجوده هو: "شهادة (النواب الأربعة الخاصين) الذين ادعوا (النيابة) عنه، في فترة (الغيبة الصغرى) من سنة 260 إلى سنة 329 هجرية. حيث كان هؤلاء (النواب) يدعون مشاهدته واللقاء به وإيصال الأموال إليه ونقل الرسائل و (التواقيع) منه إلى المؤمنين به." ص81. وينقل الكاتب في هذا المضمار الرواية التالية: "وكان العمري (النائب الثاني) إذا سُئل: هل رأيت المهدي؟ يقول: "نعم، وآخر عهدي به عند بيت الله الحرام، وهو يقول: "اللهم أنجز لي ما وعدتني"، ورأيته متعلقا بأستار الكعبة في المستجار، وهو يقول: "اللهم انتقم لي من أعدائي".. والله إن صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم كل سنة يرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه". ص85.

بالإضافة إلى هؤلاء النواب الأربعة ادعى أربعة وعشرين رجلاً آخر من أصحاب الإمامين الهادي والعسكري، أو من أتباعهم أن لهم علاقة خاصة مع الإمامين الهادي والعسكري ومن ثم المهدي مع ادعائهم القدرة على العلم بالغيب، وإخراجهم رسائل سرية يقولون إنها من الإمام الغائب، ويقوموا على أساسها باستلام الأموال والحقوق الشرعية. مما أحدث خلافاً بين الشيعة الإمامية فمنهم من صدق النواب الأربعة الأوائل، ومنهم، كالنصيرية، ذهب إلى تصديق محمد بن نصير النميري والحسن الشريعي، وآخرون صدقوا مجموعة أخرى.

بعدها ينتقل الكاتب إلى عرض دليل آخر يعتمده المؤمنون بالمهدي لإثبات وجوده وهو الدليل الإعجازي. حيث إن المؤيدين لهذه النظرية يقولون إن النواب الأربعة كانو يقومون بمعاجز إضافة لعلمهم بالغيب. ويستعرض بعض الأمثلة التي ذكرها الكليني والمفيد والطوسي: "... منها إخبار العمري بتاريخ وفاته في اليوم والشهر والسنة. ومنها إخبار العمري الناس بالأجوبة العجيبة، وإخباره لرجل بتفاصيل خلاف سري بينه وبين زوجته. ومنها قدرة النائب الثالث: الحسين بن روح النوبختي على قراءة رسالة بيضاء ومعرفته بمحتوياتها، والإجابة عليها بسرعة... ومنها إخبار النائب الرابع السمري، لأصحابه، وهو في بغداد، بنبأ وفاة علي بن الحسين بن بابويه في قم في نفس اليوم... ومنها علم النواب بمصدر الأموال التي كانت ترد إليهم." ص90.

أما الدليل الأخير الذي يجادل فيه المؤمنون بوجود المهدي هو دليل الإجماع الذي كان أول من أشار إليه، حسب المؤلف، هو سعد بن عبد الله الأشعري القمي، في القرن الثالث الهجري، وكذلك النوبختي.

وفي مناقشة النظرية المهدوية (الاثني عشرية) يضع الكاتب عدة مطالب ويناقشها تفصيلاً:

1-            غموض هوية المهدي عند أهل البيت. ويقول في هذه القضية: "إن تاريخ أئمة أهل البيت (ع) ورواياتهم التي يحتفظ بها التراث الشيعي الامامي، تؤكد غموض هوية الإمام المهدي، وعدم التصريح باسمه أو زمان خروجه... ولو كانت هوية المهدي قد حددث من قبل منذ زمان رسول الله (ص) وأجمع الشيعة عليها، لما ذهبوا يمينا وشمالا، واحتاروا وتساءلوا عن هوية المهدي." ص102.

2-            ظاهرة المهدوية في التاريخ الإسلامي. تكرر دعوات المهدوية خلال القرون الثلاثة الأولى، حسب المؤلف، يؤكد غموض هوية المهدي عند أهل البيت. حيث ظهرت الكثير من الحركات المهدوية منها: (مهدوية الإمام علي، مهدوية محمد بن الحنفية أخي الإمام الحسين، مهدوية أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، مهدوية عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر الطيار، أنصار المهدوية في البيت الفاطمي، مهدوية محمد بن عبد الله بن الحسن ذي النفس الزكية، مهدوية محمد بن علي الباقر، مهدوية جعفر بن محمد الصادق، مهدوية إسماعيل بن جعفر الصادق، مهدوية محمد بن جعفر الصادق (الديباج)، مهدوية محمد بن عبد الله  بن جعفر الصادق (الأفطح)، مهدوية موسى بن جعفر الكاظم، مهدوية محمد بن القاسم، مهدوية يحيى بن عمر، مهدوية محمد بن علي الهادي والعسكري، مهدوية القائم المجهول).

في المبحث اللاحق المتعلق بالعوامل الفلسفية لنشوء فرضية الإمام الثاني عشر يستعرض المؤلف بعض الروايات التاريخية التي تؤكد عدم وجود من يخلف الإمام الحادي عشر، وإعتقاد بعض الناس بإمامة أخيه جعفر بن علي الهادي. ويخلص إلى نتيجة مفادها: "...فإن (الدليل العقلي) كان أشبه بالافتراض الفلسفي العاري عن الإثبات التاريخي. وكان ذلك يتجلى في استناد بعض المتكلمين على الحديث الرضوي القائل: (إن صاحب هذا الأمر لا يموت حتى يرى ولده من بعده) لإثبات وجود الولد للإمام العسكري، كما يقول الشيخ الطوسي." ص120.

ثم ينتقل إلى نقد الدليل التاريخي (النقلي) ليؤكد بدءا على أنه لا يناقش آيات القرآن أو الأحاديث العامة التي تتحدث عن المهدي من دون تحديد هويته، بل هو يهدف إلى إثبات عدم وجود شخصية باسم (محمد بن الحسن العسكري). فضلا عن أن الروايات التي تتناول الغيبة والغائب لا تتحدث عن غائب بالتحديد، حسب المؤلف، ولا تذكر اسم محمد بن الحسن العسكري، وبالتالي لا يمكن لها أن تشكل دليلاً على: "(غيبة الحجة بن الحسن) لأنه لم يولد بعد.. ولم يغب.. وهي لا تتحدث عن أمر قبل وقوعه حتى يكون ذلك إعجازاً ودليلاً على صحة الغيبة، كما قال الشيخ الصدوق." ص124.

ويعزو ظهور فرضية غيبة المهدي إلى وجود أزمة في إثبات ولادته: "ولكن الأزمة التي وقعوا فيها (المتكلمون الإماميون)، بعد القول بوجود (ابن الحسن)، وهي: (عدم ظهور الإمام للقيام بمهمات الإمامة) دفعتهم إلى البحث والتنقيب في تراث الفرق الشيعية القديمة كالكيسانية والواقفية، والتفتيش عن مخرج للأزمة والحيرة، ووجدوا في أحاديث المهدوية القديمة أفضل حل للخروج من أزمة عدم الظهور، ودليلاً جديداً على إثبات فرضية (وجود ابن الحسن) في نفس الوقت." ص125.

ويفصل بعدها في تناقض الروايات التاريخية بكل ما يتعلق بالمهدي من اسم أمه وهل كانت جارية أم حرة (مريم بنت زيد العلوية)، وهل ولدت في بيت بعض أخوات الأمام الهادي أو إنها جارية أشتراها الحسن العسكري من: "سوق الرقيق في بغداد" ص138. وأختلفت الروايات أيضا في طريقة الحمل في الرحم أم في الجنب، وفي الولادة من الفرج أم من الفخذ، وفي تحديد تاريخ الولادة وعمره عند وفاة أبيه، وفي تحديد ملامحه وطريقة نموه، وفي أمر التكتم عليه، وحول علم الأصحاب والخدم بوجود ابن للإمام العسكري، واختلفت أيضاً حول نضجه العقلي. ويفسر الكاتب سبب هذا التناقض بكونها مصنوعة ومختلقة من قبل رجال مختلفين: "وتعبر كل واحدة منها عن أفكار واضعها النفسية الخاصة." ص145. ويضيف: "... وراح الذين ادعوا وجود الولد من قبل، ينسجون الإشاعات والأساطير، بصورة سرية خافية، ليضلوا بها البسطاء ويستفيدوا من ورائها الأموال.. ولم يصدق العلماء والمحققون الأوائل بتلك الإشاعات.. ثم جاء الشيخ الصدوق بعد مائة عام، والشيخ الطوسي بعد مائتي عام، ليسجلوا تلك القصص والأساطير، دون أن يحققوا بمصادرها وإسنادها... ثم جاء من بعدهم من المؤرخين (الاخباريين) فنقلوا تلك القصص الأسطورية كأنها حقائق تاريخية لا تقبل المناقشة والحوار." ص146.

والشك قد طال أيضاً وكلاء المهدي في تلك الفترة: "حيث كان الشيعة يشكون بصدق دعواهم في (النيابة) ويتساءلون عن مصير الأموال التي يجبونها باسم (الإمام المهدي)، وكان بعض أدعياء النيابة يكذب بعضا، ويتهم كل فريق منهم الفريق الآخر بالدجل والشعوذة." ص148. ويضرب مثالاً لهذا الحالة: "وكان العبرتائي (احمد بن هلال شيخ الشيعة في بغداد) قد لعب دورا كبيرا في دعم دعوى عثمان بن سعيد العمري بالنيابة، وكان يأمل ان يوصي إليه من بعده، فلما أوصى إلى ابنه محمد، رفض ذلك وادعى هو النيابة لنفسه، مما يكشف عن التواطؤ والمصلحية في دعاوى (النيابة الخاصة)." ص158.

وعن مسألة رسائل المهدي التي يقول بعض العلماء إنهم تحصلوا عليها من المهدي كالشيخ المفيد والصدوق فالمؤلف يضعفها كلها ويشكك فيها، بل يجزم أنهم هم من كتبها. ويضيف المؤلف أنه قد بحث عن أية نسخة من رسائله أو تواقيعه ولم يجد واحدة بخط يده: "وكنت احسب في البداية، أو أفترض ان يكون الشيعة في تلك الأيام أو بالأخص (النواب الأربعة) أو الفقهاء أو المحدثون، قد اهتموا بالمحافظة عليها والعناية بها، فلم أجد لذلك أثرا، ووجدت غموضاً مريباً يلف هذا الموضوع." ص164.

أما عن الخط الذي يفترض أن تكون الرسائل أو التوقيعات قد دُونت به فهو أيضا يلفه الغموض والسرية والحرص على إخفائه وهو ما يعده المؤلف: "دليلاً إضافيا على عدم وجود (محمد بن الحسن العسكري) الذي ان كان موجودا فعلاً وكان مختفيا وغائبا لأسباب أمنية، لكان لجأ بصورة قاطعة إلى إثبات شخصيته عند الشيعة، وقيادتهم عبر الرسائل الموقعة التي لا تقبل الشك والنقاش." ص165.

وفي قضية الإجماع التي يعتمد عليها المؤمنون بالمهدي كدليل على وجوده فيقول: "... إذ لم يختلف الشيعة الامامية سابقاً في مسألة كما اختلفوا في موضوع (الخلف) حيث انقسموا بعد وفاة الإمام الحسن العسكري، إلى أربع عشرة فرقة... ولم يقل بوجود وولادة وإمامة ومهدوية (محمد بن الحسن) إلا فرقة واحدة... وقد اختلفت هذه الفرقة أيضا فيما بينها على أقسام، وذلك حول اسم وهوية المهدي!". ص170.

أما عن الظروف السياسية خلال فترة الغيبة فيقول المؤلف إن لا مبرر لاختفاء المهدي عن السلطات العباسية كون الدولة في تلك الفترة كانت ضعيفة جداً وتعاني الكثير من المشاكل الداخلية والصراعات وانغماس بعض الخلفاء العباسيون باللهو والطرب: "فقد كان النظام يتفسخ ويتفتت" ص180. هذا فضلاً عن حدوث ثورات علوية عديدة ضد العباسيين نجحت بعضها لتستولي على بعض المدن، وتأسس حكومات شيعية كالثورات الإسماعيلية في اليمن وشمال أفريقا، إضافة لسيطرة البويهيين (الشيعة) على الحكم في بغداد: "إذا، فان الظروف المحيطة ب (الغيبة) من قبل ومن بعد، لم تكن تنطوي على أي مبرر للخوف والتقية، بحيث يخفي الإمام الحسن مولد ابنه ويكتمه بالمرة، ولم يكن من العسير على (محمد بن الحسن العسكري) لو كان موجوداً فعلا، ان يظهر هنا وهناك... ومن المعروف ان الحكام البويهيين (الشيعة المؤمنين به) طالبوا الشيخ المفيد ان يخرج ويحكم بدل الخليفة العباسي، كما خرج (المهدي الفاطمي) وحكم في شمال أفريقيا، بعد ان كان مستترا، فلم يحر جوابا، بعد تهافت حكاية التقية والخوف على نفسه من القتل." ص184.

ومن الأدلة الأخرى التي يسوقها المؤلف لإثبات طروحاته في عدم وجود المهدي هي مسألة علامات الظهور إذ إنها تتحدث عن علامات قديمة حدثت ولم يظهر المهدي. كالظهور أثناء الدولة العباسية أو بعد نهايتها، أو أنه سيفتح القسطنطينة والديلم والسند وكابل والخزر: "وكل هذه العلامات أو المهمات قد حدثت ولم يظهر المهدي الموعود... وتتحدث بعض الروايات عن علامات تعجيزية لا تحدث إلا يوم القيامة أو بعد زوال الدنيا." ص185 و ص186.

ويتناول الكتاب في جزءه الأخير موضوع تطور الفكر السياسي الشيعي في عصر الغيبة حيث يؤكد على أن ولاية الفقيه هي تطور على نظرية النيابة العامة إذ تصدى الفقهاء بأنفسهم للحكم، وتجاوز نظرية الانتظار. ثم يتحدث عن الثورة الإسلامية في إيران ورفض الخميني لنظرية الانتظار: "رفضا مطلقا، واسقط بالأدلة العقلية الأحاديث التي كانت تحرم العمل السياسي في ظل (الغيبة)، ولم يعبأ بها... واعتبر الإمام الخميني الفقهاء أوصياء للرسول (ص) من بعد الأئمة وفي حال غيابهم، وقد كلفوا بجميع ما كلف الأئمة (ع) بالقيام به." ص224 و ص229.

وفي خاتمة الكتاب يؤكد المؤلف على حقيقة كون النيابة العامة للإمام الغائب قد أكسبت فتاوى العلماء واجتهاداتهم الظنية صبغة دينية مقدسة ووجب على عامة الناس غير المجتهدين تقليد الفقهاء والطاعة لهم وحرمت عليهم مخالفتهم، وحالت دون مراقبتهم ومحاسبتهم مما أدى: "إلى قيام دكتاتورية باسم الدين، هنا وهناك، في بعض الأحيان." ص236. لكن هذا لا يعدم من سعي بعض الفقهاء من أجل تقديم فكر سياسي أفضل وبناء نظام سياسي: "أكثر حرية وعدلاً، فرفض كثير منهم فرضية النيابة العامة، وكذلك نظرية الولاية العامة والمطلقة للفقهاء، وقالوا بمبدأ الشورى وولاية الأمة على نفسها، ولم يتردد بعضهم عن إعلان تأييده للنظام الديمقراطي على أسس إسلامية". ص236.

يتبع

موقع الحوار المتمدن