قراءة في رواية " النوم في حقل الكرز"

النوم في حقل الجماجم

قراءة في رواية النوم في حقل الكرز*

في نص يغلب عليه طابع السخرية السوداء يأخذنا بطل رواية "النوم في حقل الكرز"  للكاتب أزهر جرجيس في رحلة تتخللها ذكريات وكوابيس وأوهام وتجارب مهاجر عراقي في بلاد الثلج/النرويج. هناك تداخل مدروس بين الواقع والخيال في رحلة السرد هذه، ولا يفهم هذا التداخل إلا وفق مفاتيح معينة يبثها الراوي هنا وهناك. المفتاح الأهم هو تعاطي سعيد ينسين /الشخصية المحورية عقار طبي. لكن من التأثيرات الجابنية لهذا العلاج هي ارتفاع نسبة التوهم والهلوسة عند من يتعاطاه. وهذا العقار يكون السبب في حدوث فاجعة لم يكن يتوقعها القارئ في نهاية الرواية.
تبدأ الرواية بتوطئة سريعة على لسان الراوي الأول/المترجم ثم يختفي. تكون مهمته هي تقديم نص الرواية الذي يترجمه من النرويجية الى العربية والذي سنقرأه فيما بعد.
نعرف من هذه التوطأة أن خطأ ((وقع فيه ساعي البريد)) الرواية ص7 قاده لأن يتعرف على مديرة تحرير جريدة نرويجية تحتفظ برواية مكتوبة باللغة النرويجية لكاتب عراقي لاجيء. لذا تطلب من المترجم أن يترجمها للعربية. فهي تؤكد على ((أن حكاية سعيد ينسين هذه، ينبغي أن يقرأها أبناء لغته قبل غيرهم، لأن فيها مافيها)) الرواية ص9. ثم يعود المترجم للظهور مرة ثانية في نهاية الرواية في خاتمة سريعة جدا تخبرنا عن ما حدث لكاتب الرواية بعد الانتهاء من الكتابة ((عُثر فوق منضدة الكتابة على رواية مخطوطة، كان سعيد ينسين قد فرغ منها ..)) الرواية ص221.
بعد توطئة المترجم تبدأ أحداث الحكاية التي يسردها علينا بصيغة الأنا سعيد/الراوي الثاني/الشخصية المحورية.  
وهنا يتبادر إلى ذهن القارئ سؤال: لماذا لم تكن هناك محاولة من قبل المترجم للاتصال بمؤلف الرواية في السنين السابقة للترجمة؟ خصوصا وهو، المترجم، يقول في التوطئة إنه يعرف سعد ينسين جيدا وكان قد قام بترجمة العديد من القصص له. مبررات هذا التساؤل مشروعة كون المترجم/الراوي الأول وبطل الرواية/الراوي الثاني ينحدران من نفس البلد ولهما اهتمامات أدبية مشتركة ويعيشان في ذات المدينة في زمن واحد:
-         تاريخ كتابة الرواية على يدي الراوي الثاني هو الثامن من تموز عام 2005 في أوسلو
-         المترجم ترجم الرواية خلال عامين ليتمها عام 2010 في أوسلو
حسب كتاب "الفضاءات القادمة، الطريق إلى بعد ما بعد الحداثة" للباحثين معن الطائي وأماني أبو رحمة أن من بين تقانات السرد ما بعد الحداثي هي: ((السخرية واللعب والتهكم والسخرية السوداء والتشتت والتقطيع والتناقض والمعارضة الأدبية وكسر الزمنية وتضمين أنماط كتابية لم يكن متعارفا على وجودها ضمن السرد الروائي.)) ص125. تأسيسا على ذلك يمكن اعتبار أن رواية (النوم في حقل الكرز) هي رواية ما بعد حداثية كونها تستثمر تقانات السخرية السوداء والتهكم والتقطيع وكسر الزمنية. إضافة لتوظيفها تقانة ما وراء السرد في بناء الرواية. وتعريف هذا المصطلح الذي يرتبط بمرحلة ما بعد الحداثة وفق ليندا هتشوش هو ((رواية عن الرواية، أي الرواية التي تتضمن تعليقا على سردها وهويتها)) الفضاءات القادمة ص127. ومن المعروف أن ما وراء السرد (الميتافكشن) كان قد شاع في النصف الثاني من القرن العشرين وارتبط بمرحلة ما بعد الحداثة التي انتهت في تسعينيات القرن الماضي.
 وظفتت رواية "النوم في حقل الكرز" هذه التقانة الفنية من خلال وجود راو أول/المترجم يحدثنا عن الرواية التي يسردها راو ثان. فتكون لدينا حكايتان: حكاية هامشية عن المترجم وحكاية رئيسية (مخطوطة) عن سعيد مردان/ينسين.
سعيد ينسين لم يغادر النرويج إلى بغداد (فالزمن مابين ذهابه المفترض الى بغداد/خيال والانتهاء من كتابة الرواية/واقع هو يومان فقط، السابع والثامن من تموز عام 2005) إلا أنه يأخذنا من خلال هلوساته الى بغداد من نفس العام. في هذه الصورة الوهمية يذهب البطل الى بغداد لاستلام رفاة أبيه المعلم الشيوعي والذي دفنه حيا عناصر النظام البعثي في مقبرة جماعة قبل سبعة وثلاثين عاما. وهو عمر الراوي تقريبا حيث أن الأب اختفى بعد ثلاثة أشهر من زواجه من الأم.
هنا أعتقد أنه بالإمكان فهم قضية تناول الكاتب للمقابر الجماعية رمزيا. فكما هو معروف أن لا مقابر جماعية حدثت خلال نظام البعث في خلال حكم أحمد البكر بل بدأت أثناء حكم صدام حسين. تحدثتنا عبير، صديقة سعيد ينسين، عن ((أكبر مقبرة عُثر عليها بعد سقوط النظام 2003م. قالت بأنها تقع في قرية أبو سديرة التي لا تبعد سوى بضعة أميال عن مدينة بابل التاريخية. وتضمّ بين أحضانها ألفين وثماني مائة جثة، لضحايا تم دفنهم بشكل جماعي في عام 1991م. كانت الجثث متفسخة تماما، لم يبق منها سوى الجماجم والعظام ونتف الشعر، والخرق البالية)) الرواية ص184. لتتوالى بعدها مجازر أبشع بحق الشعب العراقي حتى بعد سقوط النظام.
بمعنى أن المقبرة الجماعية في هذا النص هي رمز للطغيان بأفضع صوره والتي بدأت سلسلته عندما هيمن النظام البعثي على حكم العراق عام 1968. كانت هناك تصفيات واعتقالات وتعذيب لكن لم تصل الى درجة المقبرة الجماعة.
هؤلاء الذين دفنوا في هذه المقابر لديهم حيواتهم وذكرياتهم وأحلامهم وهمومهم الجديرة بأن يكتب عنها الكثير من القصص والروايات. بل يجب أن يكتب عنها بعمق أكثر وتحليل اللحظة التاريخية التي حدثت فيها كل مقبرة جماعية في العراق لنتعلم من الدرس القاسي. وليدرك العالم، خصوصا العربي منه، مدى قسوة النظام الذي حكم العراق منذ عام 1968 الى عام 2003. وهذا لا يعني طبعا تبرأة النظام الحاكم الحالي، وأن بغداد قد (تحولت إلى جنة) بعد سقوط النظام كما يتهكم بطل الرواية. لكن حقيقة وجود الطغيان اليوم في ظل حكم الأحزاب الإسلامية وما يعارضهم من جماعات إسلامية مسلحة لا يجوز أن يدعو لتجميل قبح ساحة نظام الأمس. فقصور الطاغية صدام، كما يقول الراوي الثاني، ((وبيوته ومقارّ حزبه وأوكار تابعيه، فقد تحولت إلى قصور طغاةٍ صغار وأوكار تابعين خدّج ومقار حزبية مباركة... آه يا أبي! إن الظلام الذي كنتَ، بصحبة رفاقك، تحاولون إيقاد شمعة لتبديده، مازال يغلّف البلاد ويحيط بأكتارها. مازال ذاك الظلام حاكما...)) الرواية ص209. نعم سقط النظام، لكن لم يسقط الظلم. فقد تعدد القتلة والعراق واحد. 
هذه الرواية تسلط الضوء على حياة أحد أبناء هؤلاء الضحايا. تتناول التأثر الكبير أو الانعطافة التاريخية التي حدثت في حياة الزوجة والابن بعد اختفاء الأب. فجاءت الرواية لتبث الحياة مجددا بروح الأب بعد أن عامله نظام الحكم على أنه مجرد رقم في حزب مناوئ. كان سعيد يطمح أن يمنح أباه قبرا يليق به وشاهدة قبر تحمل اسمه لحفظ ذكراه لكن الأهوال المتنوعة التي تعصف بالعراق دائما حالت دون ذلك لتبقى هلوسات سعيد وكوابيسه وآلامه ناشطة.
محظوظ من تنام جثته في حقل الكرز فهو قد يتحول إلى شجرة كرز كما يطمح بطل الرواية لكن ماذا عن  أولئك الذين تنام جثثهم في مقبرة جماعية/حقل جماجم؟
·        صدرت رواية النوم في حقل الكرز عن دار الرافدين/ بيروت عام 2019

عرض لكتاب آلهة في مطبخ التاريخ



الباحث الذي يطمح للحصول على كشف جديد في مجال الدراسات الإنسانية أو قراءة تغاير الصورة النمطية المتوارثة هو يشبه المنقب الآثاري الذي يحفر في التربة للعثور على لقية آثرية يمكنها أن تجيب عن أسئلة كثيرة. الأول ينقب في تلال من الكتب والثاني يحفر في تلال من التربة. هناك في كلتا الحالتين أتربة وغبار تخفي حقيقة معينة قد تفتح آفاقا معرفية جديدة. كلاهما يُخضع هذه اللقية للفحص العلمي الدقيق ومعالجتها في مختبر العلوم الحديثة ولصقها بلقية أخرى وأخرى سعيالإكمال صورة مكتشفة تكون أقرب ما يمكن إلى الحقيقة، أو على الأقل خلق رؤية أكثر منطقية وعقلانية عن المادة التاريخية موضوع الدراسة.
من هذه البحوث التي تدعى أنها حققت كشفا جديدا في مجال الدراسات التاريخية هو كتاب (آلهة في مطبخ التاريخ: قراءة في تاريخ سورة الفاتحة) للباحث جمال علي الحلاق الصادر عام 2012 عن دار الجمل. أخذ صاحبه على عاتقه مهمة التنقيب العميق والحثيث في ركام من المصادر المتنوعة للتعرف على الجذور التاريخية التي شكلت نص سورة الفاتحة بعين فاحصة وموضوعية تعتمد المنهج العلمي الرصين بعيدا عن تأثيرات المقدس والمألوف والمتوارث. سعى فيه الباحث إلى خلق شبكة من العلاقات مابين النقاط المتناثرة في كتب التاريخ للخروج بقراءة جديدة للنص.
وجمال الحلاق هو شاعر وباحث عراقي مقيم في استراليا له العديد من المؤلفات والدراسات المنشورة منها: (تحطيم الأصنام: محاولة في صحو) و (مسلمة الحنفي: قراءة في تاريخ محرم) و (فن الإصغاء: قراءة في قلق المنفتح).
أود هنا أن أستعرض هذا كتاب (آلهة في مطبخ التاريخ) بشيء من التفصيل لما يتضمن من طروحات عميقة ومهمة عن موضوعة الإله وعن اللحظة التاريخية المؤسسة للدين الإسلامي من خلال دراسة تاريخ سورة الفاتحة. وهذه الطروحات المغايرة تزعزع الفهم التقليدي الذي تصدره المؤسسة الدينية كفرض واجب الإيمان به، وتسوره بهالة من القدسية المنيعة التي لا تقبل الجدل والتشكيك بغض النظر عن الخرافات العالقة به. وربما هذا ما جعل مرجعا كبيرا كالسيد كمال الحيدري أن يتناوله في أكثر من حلقة في سلسلة محاضراته (حوار مع الملحدين) حيث قال عنه في الحلقة السابعة والعشرين "كتاب خطير جدا" محذرا أتباعه، بما يخص هذا الكتاب وكتب أخرى سماها بكتب الضلال، من عدم الأقتراب منها من الذين ليست لديهم (المقدمات الكافية لمطالعة مثل هذه الكتب). والمفارقة أنه يعود للكتاب مرة أخرى في حلقتين لاحقتين ليقتبس منه بعض العبارات بانتقائية ليوظفها بطريقة تصب في المجرى العام لما يصبو له في تلك المحاضرات.
يتضمن كتاب (آلهة في مطبخ التاريخ)  من أربعة مباحث هي على التوالي: المعرفة الجديدة تخلق إلهها الجديد، الإنتشار الجغرافي لعبادتي الرحمن والله في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، الجذر التاريخي العميق لسورة الفاتحة، الشكل الأول والصيغة الأولى لسورة الفاتحة.
يقوم الكتاب كما يؤكد صاحبه على "أساس منهج النشوء والإرتقاء الذي أعتمده دارون في الكشف عن آليه التغيير التدريجي..." ص9 مطبقا هذا المنهج على الأفكار واللغات التي تحتويها باعتبارها كائنات حية. والباحث ينطلق "من فرضية أولى تقول إن كل كلمة داخل وعاء اللغة تمتلك تأريخا خاصا بها، يبدأ بولادتها على صعيد التداول الاجتماعي، ثم يتفتح سجل تحولاتها وقدرتها على استيعاب دلالات أخرى، قد تكون مناقضة تماما لبدايتها الأولى، لكنها في النهاية- مثل أي شيء يمتلك بداية- تصل الى الجدران النهائية لعالمها الخاص، فتتوقف كمتحجرة داخل القاموس العام للتذكر." ص10. وهو هنا يعني التغييرات التي تطرأ على البعد الديني داخل اللغة وما قد تشكله عملية نحت أسماء جديدة للآلهة على النص الديني.
المبحث الأول من الكتاب يتناول تأريخ الآلهة وولاداتها وأنسابها وتصاهرها وانتصراتها ووقوعها في الأسر وممارساتها الجنسية إلخ. عندما يتحدث عن الآلهة ينقل لنا شيئا من تجربته الشخصية وتجواله بين آلهة المذاهب والأديان المختلفة وآلهة الوثنيين. وعن إله المجمعات المدنية فـ "الدستور في المجتمعات المدنية الحديثة هو إلهها الجديد المتجدد، فكل إضافة على الدستور هي إعادة في صياغة الإله المدني، وهو إله يتقاطع إجتماعيا مع أشكال الآلهة القديمة، من خلال فتح نافذة حقوق الإنسان..."ص43.
 في هذا المبحث الذي يختلط فيه الفلسفي بالعلمي يتحدث الكاتب عن (إله) آنشتاين و (إله) ستيفن هاوكنغ. أما السعي لفهم إله آنشتاين غير التقليدي فتتطلب الإقامة هناك في الكون وليس على الأرض ومحاولة تعلم قوانين الفيزياء الحديثة. فإله آنشتاين "ليس أرضيا، ولا يمكن الإقتراب منه دون معرفة آخر النتاجات العلمية" 49. وهو بهذا يختلف عن إله هاوكنغ رغم "إنهما يتصلان بصلة نسب علمي" ص54 . إختلاف ناتج من رؤيتهما المختلفة لهندسة وبرمجة الكون. وكلاهما كرجلي علم يتعارض مع رجال الدين، وآلاهيهما "لا يمتان بصلة إلى آلهة التوراة والأنجيل والقرآن" ص59.
في المبحث الثاني يتناول الباحث إنتشار اليهود والمسيحيين في الجزيرة العربية الذين هاجروا بحثا عن النجاة حيث كانت قبل الأسلام حاضنة للتعددية الثقافية. ويقول إن هجرات المسيحيين بدأت تأريخيا الى شبه الجزيرة العربية مع بداية إضطهاد الكنيسة الرسمية للآريوسيين في أوائل القرن الخامس الميلادي، وتوقفت مع صعود الإسلام بعد وفاة محمد بن عبد الله في الربع الأول من القرن السابع الميلادي. فكانت هذه الهجرة عاملا أجتماعيا مهما صعد من لغة الحوار الديني عربيا. مضيفا إن العرب "لم يقتصروا على سماع أراء الآريوسيين والنساطرة واليعاقبة والأبيونيين، بل أن رحلاتهم التجارية –شتاء وصيفا- جعلتهم يحتكون أيضا بالمؤسسة المسيحية الحاكمة سواء أكانت في بلاد الشام، أو في بلاد اليمن والحبشة" مما شارك بشكل فاعل في تشكيل ظاهرة التحنف العربي التي أبتدأت فردية مقلدة إلى أن "تتوجت بتيار الأحناف قبل الإسلام" ص68.
بعدها يخوض الباحث في أصل كلمة (الرحمن) وتتبع جذورها في اللغات الأخرى ليثبت إنها اسم لإله آخر غير (الله). وهنا أود أن أنقل عن السيد القمني في كتابه "الحزب الهاشمي" تأكيدا لهذه المعلومة "... فحوالي القرن الأول قبل الميلاد كان بعض أهل اليمن يعبدون إلها باسم (ذوي سموي) أو إله السماء، كأله واحد، وقد ذكرت نقوش المسند اليمنية عبادة إله واحد يدعى (رحمن)، ويرى الباحثون أنهما كانا مسميين لواحد، وتؤكد (ثريا منقوش): إن عباد هذا الإله كانوا يعرفون بالأحناف" الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الإسلامية ص 111.
يذكر الحلاق أنه من خلال حواراته الشخصية مع آثوريين قد وجد أن اسم الرحمن لديهم هو (رخمانا) وهو يشير إلى اسم الرحمن كإله. وكان المبرّد وأحمد بن يحيى ممن يقولون بعبرانية اسمي الرحمن. كما وينقل عن أستاذ التوراة واللغات السامية الألماني ثيودور نودلكه في كتابه (تاريخ القرآن) صفحة 101 "ويبدو أن (الرحمن) ككلمة وكإسم كان نادر الإستخدام في اللغة الآرامية المسيحية، لكنها أصبحت في التلمودين –البابلي والفلسطيني- أحد أسماء لله المعروفة" الكتاب ص72.
ومن خلال تتبع معنى كلمة (الرحمن) التي وردت في أبيات بعض الشعراء ما قبل الأسلام يثبت أن لا علاقة للرحمن بالرحمة. وكذلك من خلال تلبيات بعض القبائل المتجهة للحج "كتلبية قيس عيلان كما وردت في تاريخ اليعقوبي:
 لبيك اللهم لبيك
 لبيك أنت الرحمن
وأيضا تلبية عكّ والأشعريين:
 نحج للرحمن بيتاً عجبا
مستتراً، مضبباً، محجّبا"
 لينتهي الباحث الى إعتقاد بأن "الرحمن ككلمة ليس عربيا، بل تم تعريبه، وأنه كعبادة هاجرت من الشمال الى الجنوب، دون أن أحدد جهة بعينها، فقد هاجر بعض الصابئة أيضا الى شبه الجزيرة العربية بعد سقوط بابل، ولعل للرحمن صلة نسب بآنو كبير ألهة السومريين، وأن رحمان جائت من (رحم آنو)، على حد تعبير بعض المندائيين" ص76.
ثم يشرح الكاتب مراحل تطور اسم (الله) فيقول في هذا الصدد "والأُلاهة: الشمس الحارة، وحكي عن ثعلب: الأليهة، والأُلاهة، والإلاهة وأُلاهة كله: من أسماء الشمس... وقد أختفى هذا الإسم من القاموس الحياتي اليومي مع صعود إسم (الله)" ص83. وهذا الإختفاء حدث أيضا لإسم (اللّهم) القريب من إسم (إلوهيم) العبري كونه كان يمثل مرحلة من الوعي تسبق مرحلة الوعي باسم (الله). حيث يعتقد الباحث أن اسم (اللهم) هو تعريب لاسم (إلوهيم: Elo him) الوارد في النص العبري لسفر التكوين في الإصحاح الأول من العهد القديم ويعني الخالق ويشير إلى الإله الواحد بينما يشير الى (الإله الإبن) في العهد الجديد. وينهي هذا الفصل بخلاصة مفادها "أن نحت اسم (الله) كان تجربة حجازية صرفة، إستغرقت زمنيا قرابة قرن ونصف من الجدل الحنيفي، مرت خلالها بكل المراحل التي تحدثنا عنها سابقا، إبتداءً من مرحلة (اللهم) مروراً مرحلة (الإله) حتى تم الوصول أخيراً الى تجربة (الله) التوحيدية الخالصة على يد زيد بن عمرو بن نفيل، التي تبناها محمد بن عبد الله مع بداية دعوته" ص92.
 هذه التحولات التدريجية التي تطرأ على الآلهة بفعل نار التغيرات الإجتماعية والسياسية واللغوية تشبه إلى حد ما عملية طبخ على نار هادئة.
في المبحثين الثالث والرابع يتناول الباحث موضوعة (تاريخ القرآن) وتتبع المراحل التاريخية لنشوء وتطور سورة (الفاتحة) من لحظة تأسيس نصها الأول قبل الأسلام الى لحظة تثبيتها كسورة أولى في مصحف عثمان بن عفان.  والكاتب في هذا ينطلق من رؤية تعلن "أن نصوص القرآن هي إلهام تجارب (ذاتية/إجتماعية) ابتدأت مع بداية نشوء وانتشار ظاهرة التحنف في شبه الجزيرة العربية، وأنها نتيحة للتراكم التجريبي العام، بلغت ذروتها مع تجربة محمد بن عبد الله وصحابته داخل بنية العقل الحنفي/الإسلامي لاحقا" ص101. ويمر سريعا على بعض المصادر التي بحثت في حقل (تاريخ القرآن) وهي على التوالي:
1-  كتاب المصاحف للسجستاني.
2-  أسباب النزول للنيسابوري.
3-  الإتقان في علوم القرآن للسيوطي الذي يقول عنه الباحث إنه أول موسوعة حقيقية في هذا الحقل.
4-  تاريخ القرآن لأبو عبد الله الزنجاني الذي أضاف مصحف جعفر بن محمد الصادق للكتاب مع مصاحف كل من عبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب وأبي بن كعب وعمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس.
5-   تاريخ القرآن لإبراهيم الإبياري.
6-  تاريخ القرآن العظيم لمحمد سالم محيسن.
7-   أوائل السور في القرآن الكريم لعلي نصوح الطاهر.
8-   تاريخ القرآن لنولدكه الذي يعده الباحث أهم موسوعة شاملة تنالت هذا الحقل.
9-  تدوين القرآن لكانون سل الذي تتبع فيه الإعتراضات الشيعية بخصوص مصحف عثمان.
10- تطور القرآن التاريخي لكانون سل.
ومن خلال دراسته للكتب المتخصصة في (علوم القرآن) يحاول الباحث التوصل إلى مفاتيح جانبية تمكنه من فتح أبواب أخرى "تمتد إلى مديات خارج النص القرآني لسورة الفاتحة، بل تجعلني ألجأ الى التجربة الاجتماعية والثقافية للنص" ص105.
يذكر الباحث الإختلافات بين مدونيّ المصاحف بخصوص سورة الفاتحة فهي جاءت السادسة حسب الترتيب في مصحف عبد الله بن عباس ولم يكتبها عبد الله بن مسعود في مصحفه ولم يعثر على ذكر لها في مصحفي علي بن أبي طالب وجعفر الصادق. وفي هذا الصدد كان الباحث قد راسل المرجع الديني علي السيستاني بتاريخ 20/10/2009 يسأله عن سبب غياب ذكر سورة الفاتحة في مصحفي الإمامين. ليأتيه الرد بعد ثلاثة أشهر من قبل مكتب السيستاني بعدم صحة ما نسب إلى الإمامين وأن إسقاط الفاتحة من السور مبني على (مسلك القوم)! ويتضمن الرد أيضا سردا لأهمية سورة الفاتحة في مذهب (أهل البيت) وفضلها ومايترتب على قراءتها (كشفاء المريض، بل ورد عن الإمام الصادق عليه السلام لو قرأت الحمد على ميت سبعين مرة ثم ردت فيه الروح ما كان عجبا) ملحق1.
يذكر الكاتب نقلا عن السيوطي خمسة وعشرين أسما لسورة الفاتحة مع شرح سريع لبعض هذه الأسماء. ثم يتوقف عند خمسة أسماء منها فقط لتأكيد أرتباطها بالصلاة والتأسيس لفكرة قدم سورة الفاتحة. وينقل بعدها عبارات لبعض المفسيرن تدعم قضية كون هذه السورة هي أول سور القرآن وأنها من السور الأساس مما يتنافى مع قصة غار حرّاء لينتهي بالتصريح "أن التقاطعات في الأخبار الواردة حول البداية الأولى يمكن أن تكون نافذة مهمة لإعادة قراءة التأريخ الإسلامي بأكمله" ويضيف في الصفحة التالية "فالقول بقدمها، وبأنهم كانوا يسمونها (الأساس)، يتضمن قراءة لا تتوقف زمنيا عند بداية الدعوة المحمدية، بل الى ما قبلها، وأقصد تاريخ الجيل الأول من الأحناف" ص121.
ثم يستعرض دور بعض الصحابة والأحناف من الجيل الأول في عملية إنتاج النص القرآني. خصوصا الحنفي زيد بن عمرو بن نفيل الذي ينعته بعض مفسري القرآن بـ (موحد الجاهلية) ومنهم من أعده (نبيا) أو (نصف نبي). حيث يقول الباحث أن سورة الفاتحة أكثر إلتصاقا بالتاريخ الشخصي لزيد بن عمرو بن نفيل وبتجربته الروحية. كما إنها جاءت حسب إعتقاده على مرحلتين في مكة وفي المدينة بعد أن تم إدخال اسم (الرحمن) كجزء من السورة "وهذا التغيير يعني أن اسم الرحمن لم يكن يذكر في صلاة المسلمين الى لحظة إعادة إنتاج سورة الفاتحة في السنة التاسعة للهحرة" ص167.
ينهي الباحث فصول المبحث الرابع بوضع الصيغة الأولى لسورة الفاتحة التي تختلف عن الصيغة اللاحقة والمثبتة في مصحف عثمان كنتيجة للتنقيب العميق وفق منهج علمي رصين. خاض فيه الحلاق في أكثر من مئة وثلاثين مصدرا من مصادر التراث الإسلامي والعربي والإستشراقي باللغة العربية والأنكليزية. وهو بهذا يكون قد وفق بتقديم رؤية أكثرعقلانية ومنطقية عن تاريخ سورة الفاتحة تختلف عن الرؤية التي تفرضها المؤسسة الدينية تعد بمثابة الكشف في مجال البحث التاريخي.

المقالة منشورة في موقع جمعية الآوان 
نخبُ سيدوري
قصة قصيرة منشورة في موقع   الكتابة 

أشعلَ صاحب سيجارةً بقداحته الصغيرة وهو مازال منطرحا في فراشه متناسياً أن شخصاً آخر ينام إلى جنبه. نفث دخان سجارته كأنه يزفر حسرة مريرة وهو يحدق في سقف الغرفة التي أنقشع ظلامها قليلا بفعل ضوء الشمس المتخلل عبر الفتحة مابين ستارتي النافذة. سمعَ تأفف زوجته (سناء) وهي تتقلب في الفراش.
 "آسف"، أعتذرَ منها وهو ينسل بجسده النحيل والطويل من الفراش بتثاقلٍ متجهاً إلى المطبخ ليعد قهوته. غالباً ما يشرب قهوته وهو متربعاً فوق الأريكة  في غرفة الجلوس. يستغرق معظم النهار محدقا بالمارة بعينين عسليتين وغائرتين يبدو عليهما الانكسار والقنوط، كأنه سجينٌ ينظر الى خارج الحبس من نافدةٍ وحيدة بلحيته غير المشذبة، وشواربه المصفرة بفعل دخان السجائر المنفوث من أنفهِ الدقيق. إضافة لشعره العكش الذي أخذ الشيب يغزو جوانبه مما جعله يبدو أكبر كثيرا من العمر الحقيقي لرجل أربعيني.
يكاد يكون هذا كل ما يقوم به  صاحب منذ مجيئه قبل عام مع زوجته (سناء) إلى كندا كلاجئين. يجلس على الأريكة قرب النافذة مراقباً الناس من بعيد بصمت وحزن كأنه مشلول مثقل صدره بالهموم. عجلة أيامه مثل ناعورٍ يغرف من نهر الوجع. وجع مزمن يجهل مصدره. يجتر أعوام القهر بلا انقطاع. كل صورة تظهر له على لوحة الذاكرة تجر معها أياماً مريرة. وعنده ليست فقط الأعوام التي قضاها في المعتقل السياسي سابقاً هي وحدها أعوام القهر، بل كل سنين عمره. قضى في السجن خمس سنين بتهمة التهجم على النظام. خسر فيها كل أمل له في الحياة وليس فقط حلمه بأن يكمل دراسته الجامعية في كلية الأداب/ قسم اللغة العربية. ليستمر سخط صاحب وتذمره من الواقع  ومن النظام الحاكم حتى بعد خروجهِ من السجن عام 2003 وهروبه من العراق وقدومه إلى كندا عام 2009.  
لم تستطع سناء معاودة النوم فتأتي إلى غرفة الجلوس والشرر يتطاير من عينيها. تقول لصاحب بحزم هذه المرة، "إذا ما تتغير وتبطل هذا الطبع ،طلكَني. آني طلعت روحي من هاي العيشة. شنو آني مستفيدة من عندك؟ لا أطفال، لا شغل، لا سالفة حلوه، لا عيشة مثل الأوادم. ونص راتب الحكومة انت تخلصة على جكايرك. طلكَني، بعد ما أتحمل أكثر".
يسحب صاحب نفسا عميقا من سجارته ويقول لها بهدوء: "أنتِ تعرفيين جيدا كم أحاول جاهدا لإرضائك! لكن هذه الأمور خارجة عن أرادتي. أرجوك تحمليني أكثر. أنتِ الإنسانة الوحيدة التي بقيت لي في هذه الغابة."
-         حتى هاي طريقتك بالكلام هم آني مليت من عندها. كافي تحاجيني بالفصحى. نص حجيك ما أفتهمه. احجي مثل الناس يارجل. أذا أنت فعلا رجل!
-         بلا تجريح رجاءً. أدرك تماماً أنكِ لا تحبين كلامي باللغة الفصحى ولهذا أنا لا أتحدث معك إلا لماماً.
"غابة. لماماً. مو أكَلك أنت ميئوس منك. أنت صاير سويج رسمي،" قذفت سناء هذه العبارة بوجه صاحب وهي تخرج من البيت. فتح عينيه على وسعهما ولم ينطق بكلمة. شعر أنه يختنق حيث أتت تلك الشتيمة مثل طعنة قاسية في وجدان صاحب. لم يكن ليصدق يوماً أن زوجته التي عاش معها أربع سنين لا تشكك  في قدراته العقلية فقط بل في رجولته أيضا. فهذه هي المرة الأولى التي يسمع فيها سناء تنعته بكلمة (سويج) التي تعني مجنون باللهجة العراقية رغم أنها تدرك ما لهذه الكلمة من تأثير قاس على صاحب. فقد كان ينعته بهذه الصفة أشخاص يمقتهم حد الموت لطالما سخروا منه عندما يسمعونه يحدثهم باللغة العربية الفصحى. يهزأون ويتهامسون فيما بينهم بعبارة واضحة، "هذا واحد سويج".
تخرج سناء من البيت متوجه إلى المدرسة التي تواضب على الذهاب إليها منذ أشهر لتعلم اللغة الإنكليزية. تجد في ذلك متنفسا لها من ضغوطات حياة زوجية تآكلها البرود لفقدانها إلى عصب الحياة؛ الحب.
يصرخ صاحب كذئب جريح ثم يستلقي على الأرض ويتكور مثل حشرة. يتنفس بصعوبة ويشعر بانقباض حاد في صدره. بعدها يهم بالذهاب خارج البيت. أرتدى معطفه الثقيل فوق بجامة النوم ووضع حذاءه الشتوي على عجل. نزلَ من الطابق الثاني متجها خارج العمارة التي لم يغادرها إلا نادرا.
 أخذ يمشي على غير هدى لا يعرف أين يتجه. تعاظم في داخلهِ شعور اللاجدوى والوحشة القاتلة التي تناسلت بعد مجيئه إلى كندا. حينها طفت للسطح فكرة طالما طردها من ذهنه كلما راودته. لكن هذه اللحظة تجلت تلك الفكرة بكل وضوح لايرى سواها وكأنها ضوء ساطع يعمي بصره؛ فكرة الإنتحار. هذه الفكرة التي كانت تطرأ في باله كلما أشتدت حالة الإحباط واللاجدوى لديه لكنه كان يرجيء لحظةَ التنفيذ ربما بسبب قناعة دفينة من أن بذرةَ الحياة أقوى من بذرةِ الموت داخل الإنسان. فرغم كل ما عاناه  من قهر إلا أنه كان يصر على بث طاقة جديدة في مجاراته. كان صاحب يحسب أن هذا القهر سينقطع بمجرد سقوط النظام البعثي لكنه نشط مجددا بلون مختلف لتتأكد له حقيقة مرة بأن الموت متعدد والعراق واحد.
 كان صاحب دوام التذمر من كل مظاهر العنف والخراب التي صدم بها بعد خروجه من السجن بعد الإجتياح الأمريكي للعراق حيث كان يعلن عن تذمره هذا أينما حل. مرة صرح في المقهى عن رأيه الرافض لهيمنة المليشيات المسلحة في بعض مناطق بغداد. وفوجئ بعد عدة أيام بتلقيه مظروفا أصفر وجده صاحب على عتبة الباب، مكتوبا عليه بخط أزرق، "إلى صاحب". فتحه على عجل ووجد فيه طلقة مسدس. عرف صاحب مغزى هذه الرسالة فقرر مغادرة العراق فورا مع زوجته. وصل إلى سوريا منتصف عام 2006 وإلحاح من سناء قدم طلبا إلى مكتب الأمم المتحدة للحصول على حق اللجوء الإنساني في أحدى دول اللجوء. بعد سنتين ونصف تمت الموافقة على سفره إلى كندا.
رغم ماوفرت له كندا من حرية للتعبير وفرصة جيدة لبداية حياة جديدة لكن صاحب صار يصارع معاناة جديدة؛ كالتأقلم مع شتاء قاس لا يحتمله جسده الواهن وشعور قوي باللاإنتماء وإستحالة تحقيق حلم طفولته بتدريس اللغة العربية في بلد يتحدث لغة آخرى. ومما يزيد طين أوجاعه بله هو أنه لا يستطيع التحدث باللغة العربية التي يعشقها سوى إلى شخص واحد فقط، سناء. أحاديث عابرة لا تتعدى حدود أمور البيت اليومية. أحيانا يتجنب الحديث معها كي لا يضطر لشرح ما يريد قوله. حيث يكره إستخدام أي مفردة عامية وإن أضطر يوما لذلك تراه يندم ويقرع نفسه كثيرا كمن أرتكب خطيئة كبرى. هذه الحالة ضاعفت من عزلته وانكفائه. تمر أحيانا عليه عدة أيام لا ينطق بكلمة واحدة عدا ما يهمس به من كلمات مع نفسه. أكثر من مرة تنتبه سناء لهمسات صاحب مع نفسه. تتنصت إليه بوجل سعيا لفهم ما يود قوله لكنها لا تفقه مقصده أبدا مما يزيد من قناعاتها بجنون زوجها. سمعته مرة يقول مع نفسه مثلا، " منقبة في ساحل عراة. عارية في مسجد. هكذا أنا وسط الآخرين".
ومرة أخرى يقول، "متى تضاجع رطوبة الفرح يباس أيامي؟".
عندما تسمع سناء زوجها يتحدث مع نفسه بمثل هذه العبارات الغامضة ترتل بصوت خفيض، "اللهم أني أعوذ بك من شر الوسواس الخناس. الذي يوسوس في صدور الناس. اللهم أني أعوذ بك من شر الوسواس الخناس....".  ثم تحرق بعض بذور الحرمل فوق الفحم وتقوم بتبخير البيت وهي تعيد قراءة سورة الإخلاص مرارا. لا يحب صاحب رائحة البخور لكنه لا يريد الخوض في جدل عقيم مع سناء. كل ما يقوم به حينها هو فتح النافذة  قليلا لإستنشاق هواء نقي.

فيما يتجول صاحب في المدينة صارت رغبة إنهاء حياته هي كل ما يشغله. قرر أن يتجه صوب نهر المدينة حيث كانت خطته أن ينتحرغرقا. لكن قبل إنجاز هذه المهمة عليه أن يكتب رسالة وداع لزوجته. دخل إلي محطة بنزين قريبة وتوجه فورا إلى الموظف الذي كان حينها منشغلاً بمحاسبة أحد الزبائن. طلب منه بلغة أنكليزية ركيكة جدا مستعينا بيديه أن يعطيه ورقة وقلما. مما زاد في صعوبة الأمر أن الموظف كان من أصل باكستاني ومستوى لغته الأنكليزية ليس بإفضل من لغة صاحب. بعد جهد تمكن الموظف من فهم ما كان يرمي إليه صاحب.
جلس صاحب في ركن من أركان المحل وراح يكتب:
"زوجتي سناء، أقول زوجتي ولا أقول حبيبتي لأنني لم أحبكِ يوماً. كما أنني لم أكرهكِ أبداً. طوال الأعوام التي عشناها معا كنتُ أعطفُ عليك لأنكِ تورطتِ برجلٍ ضائع. رجلٌ حائرٌ لا يعرف إن كان مجنونا أم عاقلا ولا يجد حتى أي مبررا للعيش لحظة أخرى. كل يومِ يزداد عليّ ثقل هذه المهزلة التي تدُعى الحياة. فلم أعد أحتملها أكثر. لا مبرر للعيش لحظة أخرى في حياة خالية من اللذة. هذا الدرس علمته أمرأة الحانة (سيدوري) للبشرية منذ آلاف السنين. كانت أكثر فهما للحياة من كَلكَامش الساعي للخلود في حياة تعيسة. أنا لست مثل هذا الرجل. فلا أريد الإستمرار في خديعة نفسي لمجرد البقاء حيا وتجرع آلام هذه الحياة. كل ما يمكنني القيام به هو الأكل والتدخين والتغوط والنوم. حتى لحظة ممارسة الجنس التي نمارسها في أوقات متباعدة جداً لم تعد تجلب لي اللذة. ليست أكثر من عمليةٍ غريزيةٍ أمارسها بآلية محضة. بلا طعم  ولا إثارة. حاولتُ مرارا أن أعيش كما ينبغي فقط لأرضيّ أهلي وأرضيكِ لكنني فشلت. أعترفُ أنني لا أجيد لعبة الحياة. فهي صعبةٌ ومملة. فما داعي للمماطلةِ في لعبة أخسر فيها دوماً. لقد سأمتُ هذا الوجع فحسمتُ أمري بأن أنهيه إلى الأبد. كما تعرفين أنني نجوت من الموت مراراً ولي الحق الآن بإحضار الموت بنفسي. مارسي حياتك كما ترغبين وحاولي أن تتخلصي من ذكرياتنا المتعبة بأسرع وقت. لا تحزني عليّ وسامحيني على كل شيء. صاحب"
طوى صاحب الرسالة وكتب عنوان بيته عليها وسلمها للموظف الباكستاني. ثم حاول بصعوبة إيضاح طلبه للموظف. هذه المرة كان يريد من الموظف إرسال هذه الورقة على العنوان المكتوب عليها. كان الموظف يصغي بتعاطف وإمعان لكلمات صاحب كي يتمكن من فك رموز عباراته مراقبا حركة يدي صاحب. أنتهت المحادثة المتعثرة بأن يدس الموظف الورقة في جيبه قائلا: "No problem brother"
هام صاحب على وجهه بين الناس والمحال التجارية والبضائع الغريبة عليه. تجول في وسط المدينة كسائح يستكشف مدينة يطأها أول مرة. أشتد البرد عليه خصوصا في قدميه وساقيه رغم أن الكنديين في ذاك اليوم النيساني وجدوا الطقس معتدلاً للخروج لممارسة رياضة المشي أو الركض في الهواء الطلق. فلم تكن درجة الحرارة قاسية جدا عليهم. كما أن أول علامات الربيع بدأت تظهر وهي ذوبان الثلج التدريجي وإمكانية مشاهدة جزءا من حدائق البيوت وحافات الطرق المغطاة بالحشيش. دخل إلى أول مجمع تجاري صادفه ليتدفئ قليلا. مجمع (الستي سنتر) المرتبط مع البنايات الأخرى بأنفاق تحت الأرض وجسور معلقة توفر فرصة التجوال في وسط المدينة والتنقل بين المجمعات التجارية والبنايات دون الاضطرار للخروج إلى الشارع. راح يمعن النظر في عيون النساء التي تعبر عن انطباعات متباينة أكثر مما يمكن أن تقوله عيون الرجال.
 أستلذ لمتعة التحديق في عيون النساء، وكأنه أكتشف لعبة جديدة. لعبة قراءة إنطباعات النساء عنه لحظة تلاقي نظراته مع نظراتهن. فالمرأة لديه مازالت حلما. وهذا حال من لم تمسا يداه جسد أمرأة قط لأكثر من ستة وثلاثين عاما حيث المرأة الأولى والوحيدة التي مسها في حياته كانت سناء. وهي لم تكن عشيقته بل كانت مجرد زوجة رضخ للزواج منها تحث ضغط أخوته بعد خروجه من السجن في محاولة منهم لخط حياة جديدة ومستقرة لصاحب. تزوجها مرغما وظلت في داخله حسرة أن يرتبط بإمرأة تنال أعجابه في البدء ثم يخوض معها قصة حب حقيقية تتخللها مغامرات عاشقين.
بعد خروجه من مجمع الستي سنتر حاول أن يعثر على الطريق المؤدي إلى النهر لكنه فشل. دخل ألى بار صغير وتوجه إلى فتاة كانت تقف خلف منضدة طويلة وتقدم الجعة لرجل مسن يجلس في طرف المنضدة. حيته بلطف وطلبت منه الجلوس لكنه ظل واقفا. سألها عن الطريق نحو أقرب جسر. بصعوبة تمكنت الفتاة من معرفة مغزى ما كان يستفسر منه صاحب. وهو بدوره لم يكن يعرف ما تعنيه الفتاة بعبارات الأرشاد. مما جعلها ترسم على ورقة مخططا تبسيطيا للطريق نحو النهر. رسمت له خريطة عبارة عن خطين كدلالة للشارع وعلامات تشير إلى مسار رحلته. تنتهي خطوط الشوارع بخطين عريضين للنهر ثم رسمت حرف أكس كبير وسط النهر. أخذ الورقة منها وهو يبتسم بفتور ناظرا إلى عينيها الواسعتين والهادئتين.
فيما يسير بهدوء خارجا من البار فكر مع نفسه إنه لو كانت هذه الفتاة تعي إنها أعطته خريطة تؤدي للموت لما ساعدته أصلا.
 كان متيقنا أنه سيموت إن ألقى بجسده إلى النهر كونه لا يعرف السباحة. طوال رحلته نحو النهر كان يعزز من قرار الإنتحار ويهزأ من أي ضرورة للبقاء على قيد الحياة. تقافزت أفكارٌ متضاربة على شاشة ذهنه. منها مثلا مقارنة سعيه نحو الموت ومقارنتها مع سعي كلكامش نحو الخلود. فكرَ: "ما جدوى أن نبقى للأبد في هذه الحياة؟ حقا أن سيدوري هي أول من علمنا درس الحياة." ثم ردد بصوت خفيض كلمات سيدوري التي قالتها لكلكامش وهو في طريقه للحصول على عشبة الخلود:
 "كن فرحاً مبتهجاً نهار مساء
وأقم الأفراح في كل يوم من أيامك
وارقص والعب مساء نهار
واجعل ثيابك نظيفة زاهية
واغسل رأسك واستحم في الماء
ودلل الزوجة التي بين أحضانك"
كان يتأمل كل كلمة يلفظها مؤكدا على مخارج الحروف كمن يكتشف معانينهن أول مرة.
...نصيحة سيدوري كانت عبارة عن أبجدية أولى لتعليم جوهر الحياة وتقديسها. فالحياة هي ليست في أن تعاش فحسب بل هي في كيفية أن تعاش. لا جدوى للخلود إن كنا نريد السعي لمجرد قهر الموت ولا مبرر لأستدعاء الموت إن كانت هناك لذة بالعيش.  فسيدوري لا تؤمن بالخلود ولا بالإنتحار... راودت هذه الأفكار صاحب وهو يقف على جسر "هاي لِفل" ناظرا إلى نهر " نورث سسكاجوان" الذي يغطيه قطع متناثرة من الثلج. إنه حال نهر مدينة أدمنتون في شهر نيسان حيث الثلج الذي قتل نهر المدينة طوال أشهر الشتاء يبدأ بالذوبان.
في تلك الأثناء شاهد صاحب قاربا طويلا  فيه فتاتان شقراوان عاريتان سوى من قطعتي قماش ضئيلتين تغطيان منطقتي الوسط والصدر. واحدة كانت تجلس في طرف القارب منشغلة بالتجديف والأخرى تجلس في الطرف الآخر من القارب تتمايل بجسدها العلوي إستجابة لموسيقى تنبعث من جهاز استريو صغير موضوع وسط القارب. كانت تتراقص بهدوء وهي تمسك بيدها اليمنى قنينة خمر وباليد الآخرى سيجارة. أوقف هذا المنظر سيل أفكار صاحب وراح يمعن النظر فيه.
"ماهذا الإصرار العظيم على الحياة؟ أين اللذة بالخوض في نهر نصفه منجمد؟"، تساءل صاحب مع نفسه بصوت مسموع وهو يشاهد أحدى الفتاتين وهي تجاهد لدفع قطع الثلج بعيدا كي تصنع ممرا لقاربها.
هذا المشهد أثار صاحب لكن سرعان ما أختفى من أنظاره حيث مر القارب من تحت الجسر. أدار صاحب جسده فورا محاولا أن يعبر الى الجهة الثانية من الجسر كي يرى القارب مرة ثانية غير مبال لسيل السيارات التي كانت تمضي جنوباً في خطين متوازيين على الجسر بسرعة 50 كيلو متر بالساعة. وهو يسعى للعبور إلى الجهة الثانية اصطدم بحاجز عبارة عن سلكين حديدين رفيعين ، الأول بأرتفاع نصف متر عن الأرض والثاني يعلوه بنصف متر. دس جسده بخفة بين السلكين وقفز إلى منتصف الشارع حتى كادت أحدى السيارات أن تدهسه لكنها توقفت في آخر لحظة. مد سائق السيارة يده اليسرى مبرزاً أصبعه الوسط وهو يصيح نحو صاحب،
 " Fuck you. Mother fucker."
لم يأبه صاحب لتلك الشتيمة ولم يستوقفه ذاك الحدث نهائيا فجل ما كان يسعى إليه حينها هو رؤية القارب مرة ثانية. عبر الشارع ووضع يديه على حافة الجسر المقابلة وراح ينظر إلى الأسفل منتظراً القارب كي يظهر من تحت الجسر. شاهد القارب وهو يبتعد عن نظره ببطء. حدق في وجه الفتاة التي تتراقص وكانت فتاة يانعة تنبض بالحياة وممشوقة القوام. رغم أنها كانت ترتدي نظارات شمسية داكنة اللون إلا أن صاحب كان يعتقد جازما إنها كانت ترمقه بنفس نظرات الإعجاب. هذا ما كان يظنه خصوصا وهو يرى الفتاة وهي تسحب بيدها اليسرى الخيط الذي يربط السوتيان محررة إياه من صدرها ثم تلوح به في الهواء عارضة نهديها لصاحب. صعق صاحب لهذا المنظر. بعدها رفعت الفتاة قنينة الخمر عاليا وكأنها تقول لصاحب، "Cheers!"
كانت هذه الحركة المثيرة بمثابة شحنة قوية من الحياة مرت في جسده خلال لحظة. حينها وبلا وعي منه خلع صاحب معطفه الشتوي ولوح به في الهواء قبل أن يرميه إلى النهر صارخا بأعلى صوته: "نخب سيدوري"




My contribution to the ebook: Home Stories Connecting Us All





Love After Enmity 

The minus 31-degree weather shocked me as I stepped out of the Edmonton International Airport on Dec 1. 1998. My excitement at immigrating quickly turned to disappointment. I had never imagined it could be this cold. The coldest I had ever felt in Baghdad was perhaps plus 10. My extra heavy winter jacket didn’t help at all—it froze against my skin, crackling, when I bent my arms. This intense cold stabbed my bones with sharp pins. A shroud of snow covered everything.
My first unpleasant experience in Edmonton.
More challenges followed as I settled into the city: my inability to pursue my career as a writer or to utilize my skills, working at random jobs, and the difficulty of getting my university degree in mass media recognized. My struggle to muster another language at the age of 28 made things worse.  With all those challenges, I found myself in no mood and with no time to do my writing projects or to read Arabic literary books, as I had done regularly before. Furthermore, these various difficulties lead to failure to seek better living prospects somewhere else. While attending school to learn English, I worked a part time job, one that as a highly skilled university graduate, I would never have done in Baghdad. Though I realized my situation to be a necessary sacrifice to enjoy important human necessities of safety and freedom of speech, I felt trapped. I felt destiny attacking me. I saw the city as an enemy.
Two things changed my feelings to Edmonton.
The first occurred when I got married. My wife, an Iraqi, helped me overcome my homesickness. Equally important, she encouraged me to resume writing in Arabic. Since then, I’ve published articles and short stories through Arabic media outlets. The second event was the birth of my oldest son, Uruk, named after the first city in ancient Mesopotamia. Becoming a family man began to bond me to the city. Finally, I was planting roots here, I felt. I started to look at the city with new eyes.
I had never, for example, thought I would enjoy playing in the snow. But suddenly, when my son one winter asked me, “Dad, can we build a snow man?”  I joyfully said, “Yes, let’s do it.”  We went to the backyard, and rolled snow into two balls. Using a carrot, I made a nose for the snow man. “We did it, papa!” my son shouted. I experienced even further joy when I took my son tobogganing. We sped down the hill on a foamy round disk, and Uruk shrieked, “We’re  flying, dad. We’ve grown wings!”
Gradually, as my homesickness faded, I wrote more in Arabic. By 2012, I had written four books, two of which I published in Jordan. I submitted other articles and writings to Arabic print and online publications.
My involvement in literary culture helped to strengthen further my bond to Edmonton, and gave me a growing sense of belonging in the Canadian society. I’ve now read, in English, books by Margret Attwood, Alice Munroe, Haruki Murakami, Paul Auster, and others. These readings lead me to try and translate some English texts into Arabic. One of the biggest Iraqi newspapers published one of my translations. I felt proud to have introduced the poetry of Erin Moure, one of the great Canadian poets, to an Arabic audience.  
I’ve also, because of the readings, developed an interest in translating my own works into English, and to do some writing directly in this language. Despite the challenges, I’ve found writing in English to be interesting and beneficial. Through support of the writers in residents at University of Alberta, the Edmonton Public Library, and some local writers, I’ve significantly improved my English writing skills, to the extent that one of my works has been published in The Malahat Review.
As all these accomplishments made me feel I was winning the battle against alienation and other challenges, my hate for the city gradually turned to love. This changing relationship with Edmonton reminded me of an Iraqi proverb: “Love comes after enmity”. 
My participation in literary events around the city have further helped me develop this love:  events such as LetFest festival, Edmonton story Slam, and the Mill Woods Artist Collective’s activities. Additionally, I was lucky enough to gain a spot in the Writers in Exile program for 2013/2014, and to receive an Edmonton Arts Council grant that helped me write a book.
Now I feel Edmonton is home. I have a wonderful wife, three adorable Edmonton-born kids, and a lovely cat. I own a home. I work in a highly qualified job. I’m as content as I feel when I’ve cleared the pathway of snow all the way to my door!
 Nineteen years ago, I wouldn’t imagine that I could ever love Edmonton. Sure, it still gets snow-covered in winter, but I don’t see the white stuff to be a shroud as I did when I first arrived that December night in 1998.


Edited by Tololwa Mollel
Assisted by Scott Sabo
Book design and cover photography
by Stephanie Simpson

The Skin of Time


My fingers are branches with hanging ripe apples. 
My eyes are windows through which others snoop on my soul that is kneaded with clouds.
My head is a camel hump with which I tap on a drum that is made of the skin of time. I tap out the melody of my unity with the desert that stretches across my back.
My mouth is a well dried out by silence. Words are empty caskets, or dry coffins. I mean, words are shells crushed under the feet of the absolute.  
My mind is but mirror of my face. I roam in my mind. 
Me is the one and only being under my clothes. But you, Rumi, are pledged to the beyond who you assume is immanent in the stone and the sea.
Don’t you know that stone is a mere solid block formed of dry sand? With this stone I can smash the face of the everlasting illusion which you carry in your head.
Rumi draws a circle like the shamas, the sun, with his Sufi robe, as he spins like a puppet hanging from a thread manipulated by Shams al-Din Tabrizi*.
I soar up deeply! The glinting light within me does not resemble anything other than me. I have nothing but fingers that burst with sense of touch. The taste of universe sticks to my fingers.
When my limbs melt in the mixture of: rose + sky + river + giraffe, I become lighter than a tear and heavier than my days.
Very light, to soar around the globe.
Very heavy, with science.
Rumi, your purity is not perfection, for it relies on the other.
Perfect purity does not hang from a thread; it must stand by itself, for itself.
When I drink the rain and touch the sand, the bird carries me away. I turn off the lights of the city so to listen to the cracking of the seed-coat. The seed grows stems and roots and fruit that falls on the scientist’s head.     
But if the seed is planted in a graveyard, the roots will be the hair of corpses; the stems will be vertebrae; the branches will be bony fingers; there will be no fruit.
 -----------------------------

* Shams al-Din Tabrizi (1185–1248) was a Persian poet and intimate friend of Rumi. 
 This poem was edited by the Canadian  poet, Erin Mouré