The Skin of Time


My fingers are branches with hanging ripe apples. 
My eyes are windows through which others snoop on my soul that is kneaded with clouds.
My head is a camel hump with which I tap on a drum that is made of the skin of time. I tap out the melody of my unity with the desert that stretches across my back.
My mouth is a well dried out by silence. Words are empty caskets, or dry coffins. I mean, words are shells crushed under the feet of the absolute.  
My mind is but mirror of my face. I roam in my mind. 
Me is the one and only being under my clothes. But you, Rumi, are pledged to the beyond who you assume is immanent in the stone and the sea.
Don’t you know that stone is a mere solid block formed of dry sand? With this stone I can smash the face of the everlasting illusion which you carry in your head.
Rumi draws a circle like the shamas, the sun, with his Sufi robe, as he spins like a puppet hanging from a thread manipulated by Shams al-Din Tabrizi*.
I soar up deeply! The glinting light within me does not resemble anything other than me. I have nothing but fingers that burst with sense of touch. The taste of universe sticks to my fingers.
When my limbs melt in the mixture of: rose + sky + river + giraffe, I become lighter than a tear and heavier than my days.
Very light, to soar around the globe.
Very heavy, with science.
Rumi, your purity is not perfection, for it relies on the other.
Perfect purity does not hang from a thread; it must stand by itself, for itself.
When I drink the rain and touch the sand, the bird carries me away. I turn off the lights of the city so to listen to the cracking of the seed-coat. The seed grows stems and roots and fruit that falls on the scientist’s head.     
But if the seed is planted in a graveyard, the roots will be the hair of corpses; the stems will be vertebrae; the branches will be bony fingers; there will be no fruit.
 -----------------------------

* Shams al-Din Tabrizi (1185–1248) was a Persian poet and intimate friend of Rumi. 
 This poem was edited by the Canadian  poet, Erin Mouré 

الخريف في مدينة أدمنتون

Autumn in Edmonton City 

I took these photos at The legislature Grounds on Oct 4, 2017




قشور بحجم الوطن: كينونة اللغة




بقلم الناقد ناظم عودة


عندما شرعتُ بقراءة هذه الرواية، شعرتُ بشيء من التردد في قراءتها، لأنّ كلمة الوطن باتت تُستَعْمَلُ في سياق إنشائيّ بارد، يفتقرُ إلى حرارة
 
العاطفة السامية التي تتضمنُها هذه الكلمة المقدسة. لكنْ عندما تجاوزتُ الصفحات الاستهلالية الأولى، لم يعد بوسعي التراجع عن المواصلة. وفي كلّ صفحة، كنتُ أعثر على طريقة ميثم سلمان في السرد، التي تعرفتُ عليها من خلال ما يكتبُه في صفحته في الفيسبوك. إنها طريقة ساحرة، تطرحُ موضوعاتها بأسلوب فيه الكثير من الطراوة والمرح مازجاً بين السخرية والجدية بطريقة التورية تارةً والكناية تارةً أخرى. ومفهوم الوطن، في هذه الرواية، ليس مفهوماً تجريدياً وإنما هو مجموعة تجارب واختيارات عاشها الساردُ في شطر حياته الأول، ويعيشها الآن في كندا حيث استقر به الحال. إنه مفهوم مفعم بالحركية، ويتمتع بحساسية عالية تَظهرُ تجلياتُها في أشياء صغيرة وكبيرة على حدّ سواء. وهكذا تتشكلُ صورةُ الوطن، من خلال حياة كل فرد من أفراده، فالجزء يشكّلُ صورة الكلّ، والكلُّ يشكّلُ صورة الجزء كذلك.
تطرحُ، هذه الرواية، موضوعة الهوية من خلال اللغة. معاناة مهاجر عراقيّ إلى كندا مع اللغة، وشعوره معها بغربة كبيرة. ومن خلال هذه الغربة، تتحفّزُ كلُّ مكامن الشعور بالهوية، فيستعيد الساردُ تاريخ حياته السابقة. يتزامن ذلك، مع دخول القوات الأمريكية بغدادَ. ومن خلال الأسئلة التي يطرحها السارد عن مفهوم الهوية ما بين الزيف والحقيقة والشك واليقين، يستعيد رحلةَ الشقاء للإنسان العراقي ما بين قمع السلطة، والحروب العبثية، وقسوة التقاليد وزيف المفاهيم الثقافية.
إنّ حالة التشتت في الهوية، ليست حالة تخلقُها حياة المهجر، وإنما هي حالة متأصلة في المجتمع الأصلي نفسه الذي يمارسُ إكراهات لا حصر لها على أفراده على نحو يعمّق حالة الاغتراب وتشتتِ الهوية. فإكراهات الحرب جعلته يتقمّص هوية أخيه الميت في مرض القلب، ويمثّل شخصيته، ويمارس أدواره باسم ليس اسمه الحقيقي، وطريقة في الكلام واللغة ليست طريقته. وإكراهات الأب تعمّق حالة الكبت لديه. وإكراهات مدرّس التاريخ تعمّق حالة القمع ومصادرة الرأي وفقدان الحرية.
ومن خلال، هذه الرواية، نعرف أنّ الهجرة ليست حلاً نهائياً، وإنما بداية انفجار الأسئلة والمقارنات والمفارقات، وظهور المكبوت على نحو قد يعيق اندماج المهاجر في مجتمعه الجديد. فضاء المهجر، قد يتيح لك أنْ تستخرج ما لديك من أسئلةٍ، ويساعد عقلك على الانعتاق من سجن مفاهيم الماضي، ويحرر روحك وجسدك من الخوف، لكنه في مقابل ذلك يزرع في طريقك العديد من الألغام التي ربما تتمثل في كلمة واحدة، أو جملة عابرة (المرأة العجوز الراكبة في التاكسي مثلاً) أو تصرف جنوني (الهندي المتسول مثلاً). كل هذه الحوادث الصغيرة، في الرواية، هي بالنسبة للسارد ذات تأثير كبير.
لا تخلو الرواية، من التعبير بالترميز والصورة، كما في المقابلة بين ولادة المرأة في سيارة التاكسي ودخول القوات الأمريكية بغدادَ وسقوط تمثال الدكتاتورية. فالوضع الجديد، ومفهوم الديمقراطية التي روّج لها الاحتلال الأمريكي، هو مفهوم وُلدَ في غير مكانه ملوّثاً المكان بالدم كما هو الحال في ولادة المرأة التي لوثت المكان الخلفي من السيارة. وكذلك، علاقة الحب الحقيقية التي نشأت بينه وبين امرأة عبر الانترنت، والتي اكتشف أنها امرأة مشلولة تجلس على عربة مدولبة. كأنه يقابل هنا بين الحياة الجديدة التي ارتجاها، وبين المرأة المشلولة.
تطرح الرواية أيضاً، المفاهيم الدينية الشقاقية في المجتمع العراقي، ويناقشها السارد من منطلق علمي وعقلاني، بخلاف الطرف الآخر (حميد) الذي يعتقد بصحة المفاهيم استناداً إلى العرف والجماعة المذهبية والوراثة. تكشف الرواية عن المصاعب التي تواجه المهاجر، بعضها نفسية منتزعة من الذاكرة المثقلة بتاريخ من الآلام والمآسي الشخصية والعامة. في نهاية الرواية، حاول الانتحار للتخلص من ثقل تلك التساؤلات الموجعة، لكن الصدفة تأبى إلا أنْ تعيده إلى واقعه المرير وإلى تلك التساؤلات التي لا تنتهي.

https://www.facebook.com/nadhim.khader/posts/10210137470653124

قصة قصير منشورة في مجلة كيكا للأدب العالمي


جاروبا نوشو 




لو لم ألتق بتافون اليوم لما كنت لأعرف أصل ديانة الـ (تونغاي). هذه الديانة التي سمعت عنها لأول مرة قبل أربع سنوات عندما قتل أحد أتباعها قطة بطريقة وحشية.

التقيت بهذا الرجل في إحدى الحدائق العامة في مدينة أدمنتون الكندية عندما أخذت أبني آدم، ذا الثلاث سنوات، ليلعب بالألعاب الموجودة وسط الحديقة. كان تافون أيضا يصطحب أبنه الذي هو بعمر مقارب لعمر آدم. رجل في بداية الخمسينات من عمره. يضع نظارات طبية كبيرة تحتل مساحة ثلاث أرباع وجهه والباقي عبارة عن منخرين وفم. كان يحمل بيده شعرة قهوائية اللون طويلة وسميكة. قال لي إنها شعرة حصان كان قد جلبها معه من قريته الواقعة في إحدى جزر المحيط الهادي. يضع الشعرة بواحد من مناخيره كل قليل ويدفع رأسه للوراء ثم يعطس عطسة كبيرة.
بدأت الحديث مع تافون عن أجواء الربيع التي نعيشها في المدينة وما شابه من المواضيع العامة فقط لتزكية الوقت. كنت أجاهد لفهم لغته الانكليزية حيث كانت لكنته قوية. ربما أيضاً كانت لكنتي الانكليزية عنده غير واضحة. حيث كل منا يطلب من الآخر أن يعيد العبارة حتى نفهمها جيداً. باح لي بالكثير من معلومات عن حياته دون أن أكلف نفسي بالسؤال عنها. بدا لي رجلاً وحيداً ليس له أصدقاء في هذه المدينة الكندية التي هاجر إليها قبل سبع سنوات.
وبمجرد معرفتي أنه من أتباع ديانة التونغاي أخذتْ قملة الفضول تنهش في رأسي. فقد كنت قبل لقائي بهذا الرجل أبحث عن معلومات بخصوص هذه الديانة التي صارت مشهورة بعد جريمة قتل القطة. لكنني لم أعثر على معلومات كافية عنها، حتى في الأنترنيت. وقعت هذه الحادثة في إحدى المدن الصغيرة الواقعة شرق مقاطعة ألبرتا الكندية. وحينها استهجن بشدة جميع سكان المدينة هذه الجريمة خصوصاً بعد أنتشار فيديو قصير يصور الحادثة المروعة كان قد صوره شاب كندي وهو الشاهد الوحيد. انتشر الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي بسرعة هائلة. حتى إن البوليس استخدمه في تحقيقاته.
يظهر في الفيديو رجل يهرول في حديقة عامة نحو قطة مرقطة كانت تتبول على شجرة ضخمة أوراقها خضراء كبيرة وثمرها يشبه كرات بنفسجية صغيرة. عندما يصل الرجل للقطة يركلها بقوة وهو يصرخ بأعلى صوته: “جاروبا نوشو”. تطير القطة وترتطم بحاوية أزبال كبيرة قريبة وتسقط على الأرض، والدم يغطيها بالكامل. يسحق الرجل رأس القطة بقدمه وهو مازال يردد: “جاروبا نوشو”. المصور يصرخ بلغة انكليزية: “توقف، توقف. ابن القحبة!”. بعدها يهم القاتل بمغادرة الحديقة مخلفاً وراءه آثار دم قانية اللون على الرصيف وهو يرفع قبضتي يديه للأعلى مردداً نفس العبارة بصوت خشن وعال لا يخلو من فخر وكأنه يتلو دعاء النصر. وهو ماجعلني أحفظها مُذاك اليوم الذي شاهدت فيه الفيديو.
الإعلام الكندي حينها ركز على هذه العبارة كمحاولة لمعرفة دوافع هذا الرجل للقيام بفعلته. وقد تُرجمت العبارة الى اللغة الإنگليزية: “Glory to the God Jarroba”بمساعدة مترجمين من جالية هذا القاتل. يمكن ترجمة هذه العبارة إلى: “المجد للإله جاروبا”.
صار ذكر اسم هذا الإله مثار ريبة بين الناس رغم أنهم لا يعرفون ماهي طبيعة هذه الديانة التي أتى بها وما هي تعاليمه. وحجتهم في انتقاد هذه الديانة هي وقوع جريمة قتل باسم الإله. فمثلاً، في تلك الفترة، لو صرخ رجلٌ بعبارة “جاروبا نوشو” في حافلة مزدحمة بالناس لقفز الناس من الشبابيك، ولسان حالهم يقول: “اللعنة على هذا الخراء جاروبا”.
تبين من خلال اللقاءات الكثيرة مع مواطني هذا القاتل أن هناك ديانة تدعى (تونغاي) تقدس شجرة اسمها (هوساس)، وكان هذا القاتل الذي هاجر تواً إلى كندا قد شاهد تلك القطة وهي تتبول على شجرة ما تشبه بحجمها وأوراقها الخضراء الكبيرة وثمرها البنفسجي إلى حد ما شجرته المقدسة.
سارع معظم أتباع هذه الديانه إلى استنكار الجريمة مؤكدين على حقيقة أن دينهم يدعو للسلام والمحبة ويرفض العنف بشتى أشكاله، وأن هذه الفعلة المشينة ماهي إلا عملٌ فردي لا يمثل جميع أتباع الديانة. وهذا ما أكده أحد أفراد ديانة التونغاي في لقاء تلفزيوني، وطالب حينها أهالي المدينة الكنديين أن يبتعدوا عن التعميم الذي هو مظهر من مظاهر العنصرية وكذلك عدم التمييز ضدهم بسبب هذه الفعلة.
حاولت التعرف على تفاصيل أكثر عن هذه الديانة أو شجرة هوساس المقدسة لكنني لم أفلح، إلى أن التقيت بالسيد تافون اليوم في إحدى حدائق المدينة التي أسكنها منذ عام 2009. سألته بدون تردد عن أصل هذه الديانة.
رد عليّ: ماذا قلت؟
عدت صياغة السؤال بطريقة أخرى مشدداً على مخارج الحروف وأنا أعدل من جلستي على المسطبة الخشبية لمواجهته وكأنني أريد له أن يشاهد فمي وهو يقذف الحروف: “ممكن تحدثني عن ديانة التونغاي؟”
وشنو تعرف عن التونغاي؟
قلت له بشيء من التردد: “أنا أعرف أنكم تقدسون شجرة أسمها هوساس ولا تسمحون لأي كائن المساس بها حتى لو كان قطة.”
هز رأسه وقال: “بالتأكيد أنت تشير لواقعة قتل القطة؟”
 – صحيح.
اسمعني جيداً يا أخي. دعني أحدثك عن ديانتنا شوية.
وهذا هو ما أريده.
قبل ما يقرب الألفين سنة كان مؤسس ديانتنا اسمه تونغة العظيم. هذا الرجل كانت عنده معجزة فهم لغة الشجر.
 – عجييب! وهل الشجر يتكلم؟
 – أليس ورق الشجر يتحرك؟ وعندما يتحرك، ألا يصدر أصواتاً؟…هذه الأصوات هي شفرات سرية من العالم الآخر لا ندركها نحن البشر. مفهوم؟
قلت له مع أبتسامة عريضة للتخفيف من جديته: “لكن يا أخي، هذه الأصوات ليس لها أي معنى. مثلها مثل صوت تساقط المطر مثلا أو صوت الضراط.” وضحكت. حدق في وجهي بصرامة دلالة على عدم استساغته لعبارتي.
ثنى ساقه اليمنى ووضعها على المسطبة ليكون قبالتي مباشرة وبدا عليه الحماس في الحديث محاولاً تفسير ما يريد قوله بجهد عالي. قال بعد أن استنشق كمية من الهواء فارشاً منخريه على وسعهما ومشخصاً بصره في وجهي حتى أوشك بؤبؤا عينيه أن يخرجا من محجريهما: “اسمعني، تأكد أن هذه الاصوات لها معنى. نعم لها معنى. صدقني. وكان تونغة العظيم هو الوحيد القادر على فك هذه الشفرات.” ثم شبك ذراعيه على صدره وأطرق رأسه قائلاً: “كيف لي شرح هذه المعجزة؟ كيف؟ كيف؟”
لم أشأ مجادلته في هذا الأمر فما يهمنى حينها هو التعرف على معتقداته وليس الخوض في نقاش ديني. فقلت له: “يبدو أن السيد تونغة كان شخصاً فريداً من نوعه وربما كان مبعوثاً من كوكب آخر!”
بدا عليه الانشراح وكأنني بعبارتي هذه والتي لم تك أكثر من مجاملة له كنت قد آمنت بديانته وسلمت بما قاله. صفق بيديه وقال بفرح: “نعم. نعم. هو كان المبعوث الأوحد للإله جاروبا يا أخي”.
 – أوكي، وكيف كان يفسر كلام الشجرة؟
 – كان تونغة العظيم يبقى فوق شجرة هوساس العظيمة لأيام عديدة. وبعد نزوله يترجم للناس ما كانت تقوله تلك الشجرة المقدسة. هذه الشجرة كانت نادرة جدا بظلها الوافر وحجمها الهائل وثمرها الذي لا ينضب. مفهوم؟
 – عجيب! وكيف كان تونغة يأكل ويشرب ويذهب للحمام؟
 – اسمع، بما أن تونغة العظيم كان مرسلا من الإله جاروبا المعظم فهو ليس برجل عادي. فقد كانت له معجزات كثيرة ومنها إنه يستطيع العيش لأيام بدون غذاء وشراب ومنطقيا هو لا يحتاج للذهاب إلى الحمام. مفهوم؟
 – وماذا كانت تقول هذه الشجرة؟
 – الشجرة المقدسة كانت تنقل لتونغة العظيم تعاليم الإله وآوامره. الإله كان يأمره بأن يجمع الناس على ديانة التونغاي. وهذه التعاليم نتوارثها شفاها أب عن جد. مفهوم؟
 – طيب وأين هذه الشجرة الآن؟
أخفض حدة صوته وحرك بؤبؤي عينيه يميناً ويساراً قائلاً: “المعجزة بهذه الشجرة يا أخي إنها قد اختفت بعد موت تونغة العظيم. وأجدادنا الأوائل بنوا سوراً عالياً دائري الشكل في ذلك المكان. اسمع، نحن نعتقد أن شجرة هوساس العظيمة ستعود يوماً ما. و، و، ربما ستظهر يوما ما في أي مكان في العالم. وسيعود معها تونغة العظيم ليترجم لنا شفراتها. مفهوم؟”
– ولهذا ظن صاحبكم القاتل أن الشجرة التي تبولت عليها القطعة كانت قد ظهرت للتو في كندا.
تململ في جلسته وتظاهر بأنه يراقب ابنه الذي كان مستمتعاً في لعبه مع ابني آدم ثم قال: “اسمع، هذا مجنون ولا يمثلنا كلنا. ظن القاتل أنه رأى شجرة هاساس المقدسة وقتل القطة لأنها تمس قدسية الشجرة. مفهوم؟” ثم دس شعرة الحصان في أنفه وقبل أن يعطس أخرح منديلاً كان قد اسمرّ لونه الأبيض من كثرة الاستعمال ليغطي به أنفه أثناء العطاس.
كنت أرقب حركاته بهدوء، وبعد أن أنهى تنظيف أنفه دس المنديل مجدداً في جيب بنطاله. قلت له: “لكن هذا لا ينفي حقيقة أن تعاليمكم تنص على قتل كل من يمس هذه الشجرة . تقتلونه وترددون عبارة “جاروبا نوشو” التي عرفها العالم بعد حادثة القتل. فلو كانت هذه الشجرة فعلاً هي شجرتكم المقدسة هل من حقه قتل كل من يمسها؟”.
اسمعني جيدا، رجاءا، نعم هذه تعاليمنا التي توارثناها وهي مقدسة عندنا لكن أغلبنا لا يطبقها. ألا تفهم ما أقول؟
لم أستسغ طريقته بالحديث التي لا تخلو من حدة وتشنج وكأنه يحدث ابنه الصغير خصوصا وهو يكرر كلمتي “اسمع، مفهوم”. مما جعلني أحاججه ليعرف أن ما يقوله مليء بالتناقضات. مددت يدي اليمنى أمام وجهي بعد أن عدلت نظارتي الشمسية وقلت: “عجييييب! أنت تقول إنها تعاليم متوارثة ومقدسة ومع ذلك لا يطبقها الجميع. طيب، لماذا تتوارثون شريعة وتعتبروها مقدسة إذا كانت مرفوضة من أغلبكم؟ “
وقف قبالتي محاولاً شرح فكرته بشيء من التوتر مستعينا بكلتا يديه قائلا: “اسمع، نحن لا نستطيع رفض أي تعاليم مبعوثة من الإله جاروبا لكننا لا نطبق كل ما جاء بها الآن. هذا كل مافي الأمر”.
 – عجيييييييييييب!
بدا تافون كمن يفقد صبره وقال بنبرة توتر: “ألا تقل لي بحق الإله ما يثير عجبك؟ كل ما أقوله هو موجود في كل الديانات؟ مفهوم؟”
وقفت متأهباً للمغادرة ووضعت كلتا يدي في جيبي سترتي الرياضية ثم قلت بهدوء وثقة: “أسمعني جيدا، أنا أتعجب من كلامك يا أخي. أليس الاحتفاظ بهذا النص واعتباره مقدساً يعطي المسوغ لبعض المجانين في ديانتكم لتطبيقه؟ لماذا لاتقولون للعالم إنكم لا تؤمنون بأي فقرة تشجع على العنف في تعاليمكم المتوارثة إن كنتم لا تؤمنون بها حاليا؟ مفهوم؟”
قبل أن أنهي عبارتي كان تافون يحدّق في وجهي ملياً وهو يدس بعصبية شعرة الحصان في منخره الأيمن تارة وفي الأيسر تارة أخرى حتى عطس عطسة كبيرة. حينها لم يستخدم منديله لصد الرذاذ المتطاير من منخريه. كان عليّ التحرك جانباً لتجنب ذلك الرذاذ الرطب حيث كانت عطسته قوية، سمعها كل من كان في الحديقة ثم ألحقها بعبارة “جاروبا نوشو” حتى إن آدم ركض نحوي مفزوعاً. فتلقفته حاملاً أياه إلى صدري وغادرت الحديقة فوراً.

مقالة منشورة في صحيفة العالم الجديد



عراقي وبس



من مساوئ الحرب الطائفية على العراقي الذي يعيش في بلاد الغربة أن عليه الإجابة عن السؤال المقيت: "من أي طائفة أنت؟". فمجرد أن تقول إنك عراقي يأتيك هذا السؤال (كفخ بالوجه).



أمقتُ هذا السؤال كثيراً وأتعمد التهرب منه. لا أجد أي مبرر لهؤلاء لطرح هذا السؤال حيث يمكنني توضيح رأيي عما يدور من خراب في بلادنا دون أن أفصح عن الطائفة التي لا تربطني أي رابطة فكرية بها عدا كونها ورثا عائليا، إذ أن الدين هو (صدفة
جغرافية)، فلو ولدتُ في مكان آخر لارتبطت بطائفة أخرى، أو ربما دين آخر.

لكن للأسف أنك تجد الآن الكثير ممن ينظر للآخرين من خلال منظار الطائفة لتعليبهم ووضعهم في خانة ما. أحيانا في خانة العدو أو الصديق. أعتقد أيضا أن الذي لا يكتفي بجواب (أنا عراقي وبس) ويصر على معرفة طائفتي قبل الخوض في النقاش السياسي هو ربما يضمر شيئاً يخاف التصريح به أمامي. بمعنى أنه قد ينحاز الى جانب معين ضد الآخر. وهذه اللاحيادية أمقتها أيضاً حيث أنني، كإنسان أولاً ومثقف ثانياً، أحرصُ على أن أكون حياديا ولا أنحاز إلا للإنسانية. أؤمن تماماً بمقولة الروائي والفيلسوف
الفرنسي البير كامو (المثقف من يستطيع عقله مراقبة نفسه).

آخر مرة حاول شخص سؤالي عن طائفتي كانت عصر أمس عندما أخذت ابني أوروك إلى عيادة الطبيب لمعالجته من نزلة برد. بعد أن دخل علينا الطبيب في غرفة الفحص وبيده فايل أوروك، وبعد أن شرحت له ما يعانيه أوروك، خمنَ من ملامحي بأنني عربي. أنا أعرف مسبقاً أنه عربي عندما قالت لي موظفة الاستعلامات اسم الطبيب المتواجد حينها، وتأكد لي ذلك من ملاحمه ولكنته. سألني إن كنت أتحدث العربية. نعم، أجبته بالعربي. قال إنه من ليبيا، ثم سألني عن بلدي:
من العراق، قلت.
هممم! العراق تمزق يا أخي. من أي مدينة؟
بغداد.
هممم! من وين، من الكرخ لو الأعظمية؟
لا أعرف من أين أتى بهذه المعلومة كون بغداد منقسمة إلى كرخ وأعظمية. واضح تماماً أنه يريد أن يعرف ما هي طائفتي. فقلت له لغرض تشويش معلوماته "لا، آني من الرصافة". كان يضع سماعته على صدر أوروك عندما قلت عبارتي. لا حظته يغمض عينيه نصف إغماضة وكأنه يريد مراجعة معلوماته. ربما ردد مع نفسه، رصافة... رصافة.
همممم! قال وهو يرمش عينيه بسرعة ثم صمت لبرهة.
بعدها مسك فايل أوروك ودقق بالاسم مرة ثانية وقال "أوروك. هذا الاسم سرياني لو كلداني؟".
لا هذا الاسم سومري.
لحظتُ الصدمة على ملامحه، وهو يعدل نظارتيه بيده اليمنى قائلاً، "همممممم. انتة كَلت من وين، من بغداد؟".
نعم من بغداد.
حك فروة رأسه وبرطم وقال "هممممممممممممممممم!".
ثم غط بحيرته ولم يسألني عن أي شيء آخر عدا ما يخص حالة أوروك الصحية.


مقالة منشورة في جريدة العالم الجديد

يعمي انلاصت علينه


في مثل هذا الشهر قبل أربعة وعشرين عاماً كانت طائرات التحالف الدولي - بضمنهِ بعض الدول العربية طبعاً - تقصف البنى التحتية العراقية كرد على احتلال النظام الصدامي لدولة الكويت. عشنا أياماً مرة في تلك الفترة. فبالإضافة إلى فقدان أبسط مقومات الحياة الآدمية كنا نعيش في حالة رعب قصوى من احتمالية أن نكون هدفاً لطائرات التحالف، خصوصاً في المناطق السكنية التي تضم بعض المواقع الحكومية أو العسكرية، وما زاد في رعبنا هو ما عمد إليه النظام من وضع مقاومات الطائرات فوق الأبنية الحكومية، ما جعلها، بالتأكيد، عرضة للقصف.

حرب قذرة مارسها الطرفان والضحية دوماً هو المواطن العراقي.
كانت أمي في تلك الأيام العصيبة، وعندما يبدأ القصف، تتناول كيسها المصنوع من القماش، والذي يحوي وثائق أفراد العائلة ونسخة من القرآن وكل ما تملك من مال، ثم تأمرنا أن نتجمع في غرفة الطعام، وهي غرفة صغيرة بمساحة ثلاثة أمتار بثلاثة أمتار ملاصقة لغرفة استقبال الضيوف تحوي مجمدة لم نستخدمها منذ انقطاع التيار الكهربائي، وكذلك بوفية خشبية كبيرة تجعل الغرفة ضيقة أكثر. كنا عشرة نفرات، أخوة وأخوات، كبارا وصغارا، إلى جانب المرحوم أبي. ننحشرُ في الغرفة كسمك السردين متخذين وضع القرفصاء. أمي تردد بهمس "احضرنا يا علي. احضرنا يا علي". أختي المعوقة هيفاء تضغط على ذراعي بيديها البريئتين بعد كل نوبة من الانفجارات. وأنا، لقوة شعور اليأس واللاجدوى المستفحل، كنت لا أطمح إلا بالعودة للنوم.

في إحدى تلك الليالي القاسية استيقظنا على هول القصف اليومي، فهرعنا إلى غرفة الطعام الضيقة كالعادة، وكان معنا حينها ابن عمي إسماعيل الذي زارنا صباح ذاك اليوم. ظلام دامس مخيف وصمت رهيب لا يخترقه إلا ارتجاج الجدران والشبابيك جراء الانفجارات. يبدو أن طائرات التحالف عاودت قصفها لإحدى منشآت التصنيع العسكري الكائنة في أبي غريب القريبة من الحي الذي نسكنه.

بعد فترة من الصمت توحي بأن الطائرات قد أمطرت ما في جعبتها من رعب؛ طرحَ إسماعيل سؤالاً على المرحوم أبي. جاء صوته المرتبك وكأنه موجة من روح تعيد الحياة إلى البيت قال "عمي الضرب جان شنو، بس من الطيارات لو جان أكو ضرب من المقاومات؟"، فأجابه أبي، بعد صمت ليس بالقصير، بصوت لا يخلو من حيرة "والله يعمي انلاصت علينا. مدري الضرب من فوكَ، مدري الضرب من جوة". ضحك إسماعيل وضحكت بعده ثم قهقه الجميع بضحكة غير المصدقين بأنهم قد نجوا من موت محقق. ضحكة الذين تعبوا من الحزن.

أتذكر عبارة أبي تلك كلما نظرت إلى أوضاع العراق التي اختلط فيها الحابل بالنابل مردداً مع نفسي "والله يعمي انلاصت علينا".

http://al-aalem.com/%D9%8A%D8%B9%D9%85%D9%8A-%D8%A7%D9%86%D9%84%D8%A7%D8%B5%D8%AA-%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%86%D9%87/


Artical by the Iraqi writer Kahttan Jasim on "Husks as big as my Country"


الأغتراب وتشرذم الذات في رواية قشور بحجم الوطن

*قحطان جاسم 


لدى كلّ قاريء توّقع ما في داخله حينما يشرع في قراءة عمل أدبي. ويتراوح هذا التوقع بين المتعة الجمالية والفكرية او المشاركة في تجربة الكاتب الحياتية المبثوثة عبر النص. ويمكن قياس هذا التوقع لدى كل قاريء، الى حد ما، عبر قدرته على اكمال العمل الادبي حتى النهاية او القائه جانبا متذمرا منه. ورغم ان الامر يبقى في كل ابعاده خاضع لطبيعة القاريء ومستواه المعرفي وزاوية نظره وهدف تذوقه وغيرها من المؤثرات الاخرى، لكن يمكن القول، أن القاريء يتمنى ان يحصل على اقصى ما يمكنه مقارنة بما يقضية من الوقت الذي يقتضيه العمل الادبي المعني.



يمكن لنا من هذه المقاربة إخضاع رواية " قشور بحجم الوطن" للروائي ميثم سلمان التي صدرت عن دار فضاءات في عمان عام 2011، لمعرفة المدى الذي استطاعت فيه الرواية من الاستجابة الى توقعات القاريء. 

ثيمة الرواية ونسيج السرد:
يشير الفيسلوف الالماني آرثر شوبنهاور(1860-1788) في واحدة من مقالاته عن التأليف ": المؤلفون نوعان : نوع يكتب من اجل الموضوع الذي يتناوله ونوع يسوّد الورق من اجل الكتابة ذاتها. وأولئك الذين يكتبون من اجل الموضوع تكون قد عنت لهم ضروب من الفكر ، او مروا باشكال من التجربة، يجدونها جديرة أن يلم بها الآخرون بها. أما الذين يتخذون من الكتابة حرفة (....) الفكر لديهم ، جزء من صنعة الكتابة ذاتها.(...) والفكرة التي تمر باذهانهم ، في اطول سرد ممكن" ثم يضيف " ولا يطول الامر بهم قبل ان يكشفوا عن زيفهم ، فلا يلبث القاريء الفطن ان يتبين انهم لا يستهدفون في حقيقة الامر ، الا تسويد الورق، وإراقة المداد".(1).يمكن القول أن رواية ميثم سلمان هي من النوع الاول الذي اشار اليه شوبنهاور. فهي رواية قصيرة لا يتجاوز عدد صفحاتها 84 صفحة، كتبت بعناية فائقة وبلغة سردية موجزة . 

تشتغل الرواية على ثيمة الهوية والاغتراب الذاتي ، وهو اغتراب ناتج عن قمع اجتماعي وسياسي ، يضاف اليه وجه آخر، الغربة عن الوطن ومواجهة الآخر الذي يعمق هذا الاغتراب عبر استعادات ماضوية ومقارنات متعددة في السلوك الحياتي والثقافي والمعيشي مع الاخر بعد الانتقال الى المنفى. وحول هذا السؤال تتمحور موضوعات اخرى اهمها فكرة الحرمان، الحرمان من الحرية، من الجنس، من التمتع بحياة الطفولة، المحرمات الاجتماعية، الخوف من الآخر وغيرها. وهي بهذا تلمس جوانب انسانية عديدة؛ السايكولوجي والسيوسولوجي والسياسي والثقافي، او ما يسمى في الدراسات الثقافية مفهوم "الاتصال الثقافي المتعدد" الذي ظهر بعد الستينات.

تُفتتح الرواية باللوحة الاولى "يقظة " حينما تتوسط الشمس في المسافة بين اغترابها وشروقها يستيقظ الوجع كمارد قد غط في قيلولة ، فاتحا حدقتي على الخواء وسؤال الهوية"ص7. هنا يقدم لنا الكاتب، منذ البدء، حياة قلقة بين حالتي غروب وشروق، تعاني من وجع كامن فيها ، وهو وجع يفتح بصره ليطل على الخواء وسؤال الهوية ،المتسربل بمعنى الاغتراب والشك بالوجود! انها يقظة منقوصة ، يشوبها شيء من التشويه والالم والقلق الذاتي. 

الرواية تعرض لنا تشظي هوية "محمد" منذ ان كان مقيما في العراق. ففي الوطن كانت حياته مليئة بالممنوعات ص.63" فروض وقوانين ونظم وفرمانات وواجبات كلها تكبح حريتي وتحيلني الى آلة لتطبيق ما يشتهي الآخر وليس ما أرغبه حتى صرت غريبا عن نفسي، وغدا وجهي يعكس تلك السلوكيات والنظم والاسماء الجديدة التي لا تمثل كينونتي" ص.64

بعدها هروبه من العراق عبر دول مختلفة حتى وصوله الى كندا كلاجيء والاقامة فيها، و ما يواجهه من إشكالات ذات طابع جديد تعمق بصورة اكبر شروخ الذات لديه، كما يعبر عن ذلك بلوعة " لم اكن اصدق ان كندا ستضاعف من تلكؤ مسيرتي" ص.8. هذه المواجهة الجديدة مع الذات تقوده الى طريق مسدود فلا يرى مخرجا سوى الموت كسبيل وحيد للخلاص من الوجود العبثي لحياة متعثرة ضاعت بين وطن يعيش في ظل الارهاب والحروب والاحتلال ، ووجود جديد في بلاد غريبة عنه في ناسها وسلوكهم ومشاعرهم ولغتهم. يتراكم هذا الاغتراب والشعور بالوحدة والانفصام الذاتي حتى ينتهي به الى انتحار فاشل، حيث يجد نفسه في المستشفى ويتم انقاذه من موت محتوم. مساعي الانتحار الذي يرافقه على مدار الرواية هي اشارات تنفيس، او محاولات لتجنب هذا الضغط الهائل للخسارات، وليس اختيارا فكريا وجوديا، فهو يعترف بنفسه بذلك" لحظات المواجهة الحقيقية مع ذاتي مخيفة حتى انّي أحيانا أعمد الى غسل رأسي بالماء البارد كي اطرد رغبة حزّه بالسكين" ص.8

في نهاية الرواية يسافر الى العراق في محاولة جديدة للبحث عن هويته المتمثلة في نبش قبر اخيه "حسين" المدفون في غرفة نومه السابقة ، الا انه يتفاجأ بالبيت مُدمرا بصاروخ " مجهول المصدر، ربّما من السماء او الضفة الاخرى أو ربّما الجيران. فلا أحد يعرف مصدر النيران هذه الايام".ص.84

مما له اهمية ان الرواية تُختتم بلوحة تحت عنوان" يقظة-ص.81-84"، مثلما تم افتتحها بنفس العنوان، كما لو أن الكاتب يشير ثانية على استمرارية حالة اغتراب بطله وتوزعه الذاتي رغم مرور سنوات طويلة عليه ومعايشته لاحداث وتغييرات قصفت بحياته دون ان تترك اثرا حميدا يذكر عليه.

تقنيات السرد:
تم بناء الرواية على شكل لوحات- مشاهد، كل لوحة تسرد لنا فصلا من فصول حياة الرائي الذي يحمل أسمين ( محمد- حسين). انها استعادات واستذكارات لماض شاخص بصورة حادة في وعيه. الاستذكار، هنا ، هو نوع من الترميم الذاتي وواحدة من اهدافه سد الرمق" من جوع مزمن وجفاف دائم وفشل متراكم وضياع ابدي" ص.7 
تضم الرواية 29 لوحة بتقنية محسوبة بدقة. فالنصوص- اللوحات يمكن ترتيبها او تغيير أماكنها دون ان تصيب شكل الرواية او مضمونها بأذى أو تضعف ديناميكية الحكي او ترابط الافكار الرئيسية فيها، فقد تمكن الروائي ان يكشف بموهبة عن عرض الاحداث المتراكمة والموضوعات التي تشكل نسيج نص الرواية دون الحاجة الى وجود فواصل متدرجة بين اللوحات .

منح الكاتب هذه اللوحات عناوينا مختلفة تشبه عناوين القصائد الشعرية "يقظة، هجرة، مفردات، شتائم، عاهرة، صداقة، تابع، نساء، ضياع، حيرة، اقنعة، لقاء، مهنة، أبوة، غزو، ، حرب، بلاد، موت، تاريخ، دين، جوهر، فتوحات، غريب، نهاية، فرار، واقع، سيرة، يقظة". يذكرنا اسلوب الكتابة وتوزيعه على اللوحات كمن يزور معرضا للرسم، حيث تمثل كلّ لوحة عالما خاصا بها، متضمنة صراعات وافكارا وقيما تنبع من تفاصيلها هي، لكنها من الجانب الآخر تشكل حلقات متكاملة للّوحات الموجودة في المعرض، وترتبط بخيط داخلي موضوعا واسلوبا، لتكوّن مع باقي اللوحات عالم الفنان. من هنا يمكن القول ان الروائي استخدم فن اللوحة او المشهد المسرحي لكي يعرض لنا الاحداث والموضوعات، وكل لوحة تمثل بحد ذاتها كيانا مستقلا، دون ان يضحي باللحمة الداخلية للاحداث، وبهذا يكون الروائي قد استغنى عن البنية التقليدية للرواية التي تقوم على عقدة رئيسية تعتمد التشويق الفني، الذي يهدف الى شد القاريء وابقائه في مجال النص، عبر تصعيد درامي للاحداث وتحولات الشخصيات، يتوقع عبرها القاريء الوصول الى خاتمة محددة تمثل ذروة الرواية. 

ولهذا فان قاريء رواية ميثم سلمان لا يمكنه وهو يتنقل من لوحة الى لوحة أن يتوقع او يخّمن مسبقا ما ستحمله الاحداث بصورة منهجية تراتبية. اللوحات هي باختصار، دليل يقودنا الى هدفنا دون حاجة الروائي لاعلان عن خارطة طريق مسبقة لاقناعنا بدقة وجهة مسيرة الاحداث.

بؤرة هذه اللوحات، التي تشكل بمجموعها، موضوعات الرواية وخيوطها الداخلية، تتجمع، كما اشرت، حول أسئلة الهوية والاغتراب، ؛ من انا؟ والى اين امضي ؟ وكيف انتهيت الى هنا؟ ولماذا كل هذا العذاب؟. الروائي لم يقدم أجوبة، بل اكتفى باثارتها، بصورة غير مباشرة، من خلال سرد مشاهد احداث عاشتها شخصية الرواية الرئيسية. فهي تعيش في عالم مجزأ متشرذم، تحاول فيه أن تعيد لملمة أجزاءه، لعلها تنجح في الحفاظ على وحدة الأنا المتصدعة. وهذا التصدع في الذات يتضح شيئا فشيئا عبر إشكالات الاغتراب كاللغة، أو مواجهات انسانية ؛ كعلاقته المضطربة مع صديقه حميد، او التباسها مع السائق اللبناني ، او اللقاء مع مواطنين كنديين ،او من خلال الاحساس الجديد بالحرية الجنسية، والبحث عن علاقة حب مع أمرأة يكتشف انها معوقة بسبب شلل اصابها.

السخرية والتهكم اللاذع..!
السمة الاخرى التي تميزت بها الرواية هو استخدام السخرية والتهكم اللاذع في بنيتها. فقليلة هي الروايات التي جعلت من السخرية كتقنيات سردية تساعد في أضاءة الثيمة الرئيسية، خاصة حين تشتغل الرواية على موضوعات ذات طابع مأساوي وعنيف. الا ان الخيال الواسع للروائي ميثم سلمان ، عبر التقاطات نبيهة ص10-11، ص.15، ص.28-29،ص.56-57، للمشاهد الساخرة، ساعد في نقل القاريء قريبا الى الواقع دون ان تفقد الرواية بُنيتها التّخيلية للافكار والاحداث، كما لو ان الكاتب اراد بذلك إتاحة فرصة استراحة للقاريء، ليمكّنه من إسترداد انفاسه وهو يعيش حالات فزع ورعب وآلام مرّ بها خلال احداث الرواية، فلا يضيع تماما في تفاصيلها، فيكتشف بذلك الجانب الآخر من العملة، ايّ ، التمزق الذي اصاب هوية الرائي وحالات الاغتراب التي كانت تتعمق في مسار حياته.

لقد ادرك الفيلسوف الدانماركي الوجودي سورن كيركگورد، منذ اكثر من مئتي عام، اهمية التهكم والسخرية كأدوات مهمة للتعبير والاتصال مع القاريء، ولكشف المعاناة والآلآم الانسانية. وهو ما عالجه في اطروحته "مفهوم التهكم طبقا لسقراط" عام 1841. وقد اطلق على اسلوبه الذي استعاره من سقراط "ديالكتيك القص او الإتصال". وقد رأى كيرككورد ان هدف و مقاصد الكاتب مخفية بصورة او اخرى، وهو يعبر عنها بصورة غير مباشرة عبر السخرية والتهكم أو استخدام الأسماء المستعارة او المتناقضات وغيرها.(2) وشدد على ان "ديالكتيك الإتصال" يمنح فرصة مستقلة وفعالة للقاريء لما يطرحه الكاتب، في إطار المعضلات والمفارقات الوجودية التي تواجهه في الحياة. وقد بقي كيرككورد أمينا لاسلوبه في معظم نصوصه الادبية واعماله الفكرية والفلسفية. 

لغة السرد :
يبدو الاعتناء باللغة السردية والموضوع واضحا بدءا من عنوان الرواية" قشور بحجم الوطن". فعنوان النص له اهمية كبيرة في الاحالة على محتوياته ومضمونه. ويمكنه أن يدل القاريء منذ البدء على مضمون العمل الادبي او يخلق عنده بعض التصورات عن هذا العمل. فالقشور هي المحن والخسارات التي يواجهها الرائي (محمد - حسين)، الأنا التي يتجسد فيها، في آن واحد، صوت الشخصية الرئيسية وصوت الروائي، باسلوب يزاوج بين التخييل والسيرة الذاتية بصورة لا يمكن معها فصل الواقع عن الخيال ، والحادثة عن التصور. هذه القشور هي " الغربة في الوطن ، الغربة في المنفى، لا يوجد اي من عائلتي او اصدقائي القدامى او اقاربي ، لا أحمل حتى اسمي الحقيقي، طبقات من القشور" ص.42، انها نوع من الاقنعة المختارة ذاتيا او المركبة عنوة التي يصارع ويحلم، كما يقول الراوي " بالخلاص من كل الاقنعة" ص21. ولغته تمتاز بالايجاز، موشاة احيانا بتعابير فلسفية، وذات تكثيف عال يصل حد الشعرية ص33،ص.57، ص.59،ص.70، الا انها، و في حالات قليلة، تقع في شرك الخطابة السياسية او تنحو الى اسلوب المقالة، ص30، ص38، ص43، ص45.

الأغتراب والتشرذم الذاتي بين ثنائية الداخل والخارج:
يستخدم الكاتب لتعميق فكرة التشرذم والاغتراب الذاتي تقنية التعارضات السايكولوجية - السوسيولوجية، التي يلتزمها على طول الرواية، بين الذات ومحيطها، الداخل والخارج، سواء عبر العلاقة باللغة، الاشياء ، المكان، او البشر. 

فاللغة، حيث " الاشياء تغدو كلمات جاهزة" ص.9 ، تضعه امام محنة جديدة، وتولد فيه قلقا دائما وشكا وخوفا مستمرا حول هويته " اللغة باب إن فتحته على مصراعيه وذابت مع الآخر ساكون غريبا عن ذاتي، وإن أغلقته سأكون أجنبيا وغريبا تماما لدة الآخر"ص.8. ومثلما حياته معلقة بين الغروب والشروق، فهي تقف هنا في منتصف الطريق ايضا، ويضيف الى عجزه السابق عجزا اكثر تعقيدا وصعوبة، الكبت الجنسي ، الفحولة المعطلة " ليس هناك في العالم ما يعوض حرماني" انه ذات معطوبة. والاغتراب يبدو واضحا في المكان ، كما في "لوحة حيرة - ص19"، حيث الشعور الدائم بانه مواطن لقيط .انه يشعر دائما انه غريب ومطارد وموجود في المكان الخطأ. لقد فقد بوصلته ، مكان ولادته ووطنه الذي كان فيه اصلا مغتربا حيث يتذكر قسوة ابيه ومعلم مدرسة اكثر قسوة وحياة معيشية فقيرة. ويتعمق هذا الاغتراب في العلاقات مع الآخرين؛ فصديقه حميد الذي ساعده بامور كثيره، كان يعيش شيزوفرينيا ثقافية دينية ، حيث لاحظ "نزاع حاد بين غريزته وايمانه الحاد" ص.13. حميد الذي فر مع آلاف العراقيين من العراق، ومن ثم أسكنوهم في صحراء رفحه في السعودية بعد انتفاضة عام 1991، عاش هو الآخر قسوة الصحراء والتعذيب والكبت. وهو نفسه الذي قاد "محمد-حسين" الى بائعات الهوى ص.14. حميد يتحول الى صورة آخرى مخفية، وإن كانت غير كاملة، تذّكره بذاته المثلومة واحزانه واغترابه ص.13-14 ،بحيث يشعر بلحظة ضياع حين يقرر الانفصال عنه بسبب سلوكه المتناقض. وهذا الفشل يقوده للتفكير بالبحث عن علاقة ثابتة مع امرأة املا في الاستقرار. يلتقي بامرأة عن طريق الانترنت ويتواصل بالحديث معها، حتى تدعوه الى زيارتها في مدينتها التي تبعد عنه مسافة طويلة، فيصعد الباص، في رحلة مداها ثمان ساعات، وحين يصل محطة المسافرين، التي تنتظره فيها مع ابنها الصغير، وهي تجلس في كرسي متحرك للمعوقين، يصطدم بالمشهد، فيحاول تجنب لقائها لانه شعر بانها خدعته: "لماذا لم تأبه لمشاعري؟ لماذا لم تكن حقيقية وصادقة معي ؟" ص.17. يضاعف هذا المشهد حالة الاغتراب عنده بصورة اكبر والخوف من الآخر وكذب العالم ،ويغالبه شعور بالجزع، وهو يسرع بالابتعاد عنها باتجاه البوابة الخارجية للمحطة، وتجنب اللقاء بها "لا تعذب انسانا آخر، فانت مشلول ايضا" ص.18. وقد عبر عن هذا الخوف من الآخر في مكان آخر ايضا، في " لوحة حيرة"، فإن "تزوج كندية ستتبخر ثقافته وإن تزوج عراقية فسيواجه احفاده مشكلة الانتماء الى الارض" ص.20-21. وحتى حين فكّر بحل ما، كالعودة الى الوطن مثلا، والتخلص من هذا الخوف من الآخر، لم يكون الامر محسوما لديه ، فهذا الانشطار الذاتي ، هذا الاحساس الدائم بالثنائية وهو يفكر بموضوع العودة ، يجعله يطرح السؤال الاكبر والاكثر رعبا:" بأيّ اسم سأعود، المزيف أم الحقيقي؟ "ص. 21، او كما يطرح سؤالا في "لوحة حيرة" :ما عمق جذوري في العراق ؟" ص.19، بحيث يتحول هذا التاريخ الى سؤال محنة ومعاينة ومقارنة دائمة عن الذات وحقيقتها واصالتها. وتتعمق هذه النظرة الشكّاكة الى الذات حين يقارن نفسه بالشرطي الكندي من اصل صيني، الذي يقوم باعتقال احد المواطنيين الاصليين في كندا، اي الهنود، فهو لا يختلف عن هذا الشرطي الذي يطبق النظام على المواطن الاصلي، ص.19، ثم زميله سائق التاكسي اللبناني الذي دعاه الى بيته فتسبب بانفصاله عن صديقته بسبب مفاجأة غير محسوبة منه. في "لوحة غزو" ص.36-39"،يزاوج وهو يراقب حالة ولادة امرأة اضطرارية في سيارته التاكسي، في الوقت الذي كان يستمع فيه من الراديو الى سقوط صدام، هذه الولادة بالموت، وهو يقول " الا ان أذني كانت مشدودتين لصوت المذياع. سمعت إعلان تهشم تمثال القمع وسط بغداد وأنا اتوقف مشدوها اراقب الجنين وهو يتنفس الهواء اخيرا" ص.36. لم تكن الولادة- صناعة الحياة - تشغله عن الموت القادم الى بلاده، لانها كانت ايضا ولادة غير طبيعية، كان يمكن أن تؤدي الى الموت..شعر بانها ولادة كانت ملطخة ومشبعة بالدم، تبعت سقوط الصنم والنظام واحتلال العراق. وهما صورتان مشبعتان برمزية ذكية. فالروائي احس بالدم ، دم احتلال العراق قريبا منه، الى درجة انه شم رائحته واحس بفضائعه، وهو يحاول بعد ذلك غسله من السيارة، رغم ابتعاده عن وطنه العراق الذي يعيش مصيرا آخرا مجهولا يختلف تماما عن وضعه. شعر بالم كبير وهو يسمع دخول الاميركان الى بغداد ، عاد الى بيته ليغسل دماء الولادة التي اصابته، وكانت به رغبة ان يذهب الى جارته كاندي الكندية، لكي يشرح لها اسباب إزالة هذه الكمية من الدماء ؟ قائلا لها بلهجة خاسرة:" لقد حتلوا وطني !" ص.36، حيث لم يتبق معه في تلك الليلة سوى " الوحدة والقهر والخسارة " ص.37

وهكذا يتجدد انشطار الذات مرة اخرى، كان يعيش همّ ثنائية الموت -الاحتلال في العراق " والولادة في كندا. !، وهي اشارة لوصف حالة القلق بين الموت والولادة والاغتراب بينهما. وبين هذين الوضعين كانت حياته معلقة وهويته مثلومة"، ثمة اغتراب مضاعف؛ غريب يحتل الوطن، ومولود غريب يأتي الى العالم في سيارته التاكسي. 

تنتهي حياته، كسائق تاكسي، بقدم بلاستيكية ومعونة شهرية شحيحة للمرضى والمعوقين" ص.61 ، نتيجة مشاجرة مع احد الركاب التي جعلته يجري على الجليد لساعات هربا من جريمة ارتكبها احد الركّاب في سيارته، اذ قام بقتل صديقته، ادى الى بتر قدمة واصبعين في الاخرى . ص61. وهكذا تتسبب علاقته بالآخر بثلم هويته الفيزيولوجية، وتترك لديه شعورا نفسيا بالتشرذم.

وهكذا فقد ساعدت كل تلك التعارضات والاتصالات والمواجهات برسم صورة اوضح لذات الرائي المتشرذمة وحالات اغترابه المستمرة.

الخاتمة 
رواية ميثم سلمان ، هي الرواية التي يبكي ويضحك فيها القاريء في آن واحد. انها رواية كتبت بحرص عالم نفس يغور في اعماق شخصياته، دون ان يلصق بها من المفاهيم الثقافية والعبارات المفتعلة لاقناعنا بصدقها، بل يذهب الى التجربة ذاتها، لكي يكشفها لنا كما هي بحذاقة الرائي المبدع ، بسردية شعرية موجزة ومكثفة الى اقصى حد، وهي سردية تتركز على محور واحد الانسان؛ في غربته وتحولاته الصعبة والمتناقضة في محنة الاغتراب الوجودية، من خلال مشاهد و اسئلة مصاغة بدقة وبحرقة وسخرية لاذعة، يختتمها بشهادة موحية عن بلاد احبها تتعرض للتخريب والدمار، وضعته في محنة امام السؤال الصعب الذي ما زال يتكرر:" انعطافة الاحداث في هذا المنحنى اربكت قناعتي وجعلتني احاكم نفسي ، هل أؤيد مقارعة المحتل واقف بجانب هؤلاء الذين يقاتلونه للعودة الى سلطانهم الضائع متواطئين مع المتعطشين لدماء غالبية الشعب؟ أم اقف مع باقي الشعب الرافض للاحتلال سلميا بتشبثه بعملية سياسية هشة يقودها مرتش أو قائد مليشيات او متطرف او سائس للدسائس؟ ام ارضخ لليأس المطبق من اي امل بالتغيير، وقتل الاهتمام بما يدور، والتنصل حتى من الانتماء للوطن؟ ص.40 من هنا فانها رواية تستحق اهتمام القاريء بها وتلبي توقه الى متعة جمالية وفكرية وحياتية من قراءتها. 


المصادر:
1) الاستشهادات التي اشرت اليها داخل المقالة وارقام الصفحات مأخوذة من رواية : ميثم سلمان: قشور بحجم الوطن، عمان : دار فضاءات، 2011
2) بيلي سوندرز: فن الادب- مختارات من شوبنهاور، ترجمة وتعليق شفيق المقار، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2012، ص47
3) Jean Amery: At the mind's of Limits- Contemplations by a Survivor on Auschwitz and its realities, tr. by Sidney Rosenfeld and Stella P. Rosenfeld, Bloomington: Indiana University Press, 1980, p.28
4) Birgit Bertung : Kierkegaard - begreber, ordbog for Kierkegaard+ læsere, Vinge: Forlag 1, 2010, p.58-59




 شاعر وباحث في علم الاجتماع السياسي 

http://al-nnas.com/ARTICLE/KJassim/11b.htm

ثنائية الوطن / المنفى في تجربة ذاتية



"القنافذ في يوم ساخن"  للروائي المغترب فلاح رحيم



رغم قسوة ومرارة المنفى على الروائي العراقي، إلا أنه شكل إضافة نوعية كبيرة إلى الرواية العراقية. فتخيل كيف سيكون واقعها لو لم يهاجر الروائيون خلال العقود الأربعة الأخيرة؟! حتما ستُثقل جل الروايات بالتهويم والترميز والغموض والتعفف والمهادنة والتبجيل والمجاملة والأدلجة والتحزب الخ، خوفاً وانصياعاً وتملقاً للرقيب بكل أشكاله: سلطوي، أجتماعي، ديني، حزبي الخ. حتى لو لامست الرواية الواقع العراقي المعاش عن كثب لكنها ستبتعد عن الخوض في مشكلات الناس الحقيقية تجنباً الاصطدام بجدار هذه السلطة أو تلك.
بالمقابل توفر للروائي العراقي في منفاه فضاءٌ حرٌ مناسبٌ لإنتاج رواياته بعيداً عن قيود وقمع تلك السلطات، ناهيك عن التلاقح الثقافي مع الأوساط الثقافية المتنوعة التي يعيش فيها المثقف، وهذا مهم جدا لإنضاج التجربة الإبداعية، خصوصا في المنفى الغربي.
كما أن الروائي العراقي المغترب عالج ثيمة المنفى ومحَصْها وفكّكّها وغاصَ في شعابها بصدقِ المجرب والمحترق بنارها. أكاد أجزم أن كل روائي عراقي مغترب قد تناول ثنائية الوطن/المنفى كتجربةٍ ذاتية.
الكاتب فلاح رحيم كانت له تجربته الخاصة بتفريغ قيح المنفى في روايةٍ عنونها "القنافذ في يوم ساخن". وبدءاً من العنوان، العتبة الأولى للنص، يَدخلُ القارئ في معادلة القرب/البعد، الوطن/المنفى. تفسر الرواية عنوانها من خلال الاقتباسات المختلفة عن القنافذ الواردة في البداية. أحد الاقتباسات عن شوبنهور حيث يقول إن هذه الحيوانات  تتقارب عندما تبرد، لكن شوكاتها تخز بعضها البعض فتتباعد. لذا يكون أفضل وضعٍ يوفرُ لها الدفء/القرب وفي ذات الوقت النجاة من الوخز/النفي هو في الابتعاد لمسافة معتدلة، لاهي قريبة جداً ولاهي بعيدة جدا. 
كما أن القنفذ يتكور على نفسهِ عندما يداهمهُ الخطر وهذه الحالة مُتَمَثَلة بوضوحٍ في شخصية سليم كاظم، الشخصية الرئيسية في الرواية، (...توصلتُ إلى أن المنفى تأجيلٌ مطوَّل نتكوَّر فيه على أنفسنا في عُزلة وانتظار.) الرواية/ ص16.
بعد العنوان تأتي العتبة الثانية وهي الإهداء الذي عزز هذه الثنائية أيضا: (إلى الصديق كامل شياع الذي عاد من المنفى لأنه قرر أن لا يموت). لم يكتف الكاتب بإهداء روايته إليه بل جعله إحدى الشخصيات (شهاب زيدان) التي يلجأ إليها الراوي كلما اشتدت لعنة المنفى، من خلال الرسائل أو تذكر نقاشات قديمة معه أو مكالمات هاتفية. وبهذا يكون للروائي قصب السبق بتحويل شخصية المرحوم كامل شياع إلى شخصية روائية نتعرف عليها عن كثب.
سليم كاظم أستاذ اللغة الإنكليزية يبدأ رحلة المنفى في بداية التسعينات. يعمل كمترجم لثمانية أعوام في شركة نفط بصحراء ليبيا ثم يحصل على عقد عمل كأستاذ في جامعة صُور العُمانية في بداية عام 2006. يسعى جاهدا لتدجين المنفى، معبئاً بقلق البحث عن إجابة لسؤال طالما أرَّقه: (إذا كان هدوء البيت واطمئنانه يدجنِّان الوطن، فما الذي يمكن أن يدجّن المنفى؟) الرواية/ص15. يتوصل إلى الإجابة بعد معاناة كبيرة وخسارات متكررة.
يجد نفسه في مدينة معزولة وصغيرة بين (مَنْفِيِّين) من بلدان مختلفة: فلسطين، تونس، أستراليا، جنوب أفريقيا، أمريكا، بريطانيا الخ. كلٌ منهم له أسبابه التي حَمَلته على ترك بلده واختيار العمل في مدينة صغيرة ونائية.
تكمن حيوية الرواية الأكبر في عنصرين سرديين أجاد الكاتب بصناعتهما؛ الشخصيات والحوار. مَنَحا حياة متحركة إلى واقع مدينة أكثر ما يُميزها السكون والرتابة. على مدى ثلاث وستين فصلاً دوزنَ الراوي إيقاع الروي بوتيرة واحدة ليعكس رتابة الحياة، لكن ما يشوق القارئ للسياحة في عالم هذه المدينة هو فضوله لمعرفة مصير الشخصيات التي أسس علاقة متينة معها، أحب بعضها وكره آخر. فالرواية الجيدة هي التي تصنع شخصية تترك أثرها في ذهن المتلقي سلبية كانت أم ايجابية، شخصية فعالة وليست خاملة.
ساهمت الحوارات في تعزيز عنصر التشويق. لأنها تطرح تساؤلات ما فتئت تؤرقنا وتشغلنا. خصوصا تلك المتعلقة بالطغيان والاحتلال وما تلاه من مشاكل. نقاشات عميقة وغنية تعكس بصدق الحالة الثقافية والنفسية للشخصية المصنوعة في معمل الرواية. كل ما تقوله الشخصيات ناتج عن تكوينها الثقافي والبيئي المرسوم بعناية.
 من المعروف أن فن الرواية يسمح بمزج متن الحكاية بعناصر من خارج العالم السردي بشرطين: الأول، أن تستدعيها ضرورات فنية من داخل النص؛ الآخر، أن تُخلط مع العناصر الأساسية وتُعجن بحرفةٍ عالية. رواية "القنافذ في يوم ساخن" استثمرت هذه التقنية واستوعبت وثائق مختلفة (مقالة، رسالتين)، أُذيبتْ في سياق النص وتجانست مع الوحدات التأليفية الأخرى.
الكاتب يعي صنعة هذه التقنية، فجاءت مقالة كامل اشياع (عودة من المنفى) داعمة للثيمة الأساسية، وكانت فرصة مناسبة له لطرح تصوراته عن محنة الوطن وتوثيق رؤيته عن فكرة العودة إلى العراق بعد سقوط النظام البائد.
والحال نفسه بالنسبة لإدراج رسالتين منشورتين في جريدة الأسبوع العُمانية. نسب إحداهما إلى شخصية ساندرا الأستاذة الأسترالية، انتقدت فيها، كردٍ على رسالة أستاذ غربي آخر، بعض الممارسات في المجتمع الغربي وأشادت بما تراه من إيجابيات المجتمع الشرقي، وهو ما جعلها تهاجر شرقاً.  تفاعلت الرسالة مع عناصر الحكاية الأخرى، وشرحت حالة النفيّ التي تعانيها ساندرا.
 ناقش الراوي الأزمة التي يعيشها العراقي المغترب ولا سيما بعد الاحتلال، حيث صار مهدداً أكثر من السابق باقتحام خصوصيته دوماً. عليه أن يقدم كشفاً مفصلاً بقناعاته السياسية وانتمائهِ الطائفي والعرقي مما يزيد من لوعة الشخصية المحورية الإنطوائية.
ومما يفاقم من انزعاجه بالتورط في نقاشات عقيمة، هو رؤيته الإنسانية المحايدة والمجردة. يقف في بؤرة قصية على مسافة متساوية من جميع الأطراف المتنازعة. وهذا يقوده للاختلاف مع محاوريه بطروحاته المنفلتة من أي أطار حزبي أو عقائدي، وله أيضا رؤيته التحليلية العميقة والمعتدلة بفحص المتغيرات السياسية. في حين تجد محدثيه غالباً ما يتبنون أفكاراً مغلوطة ومتطرفة ولا إنسانية جاهزة وعاطفية.
سافرَ سليم كاظم إلى مدن مختلفة لكنه لم يستحقّ صفة السائحَ (لأنه لم يخرج من أرض ثابتة تحت قدميه تدعى الوطن) الرواية/ ص17، بل زادَ التنقّل من تشتتُّه وضياعه لأنه (يحيا مغامرةَ المنافي المرهقة) الرواية/ ص17. لكن القارئ يحصل على متعة السياحة في سلطنة عُمان بما توفره الرواية من وصف مفصل للمكان، والتعرف على يوميات قسم اللغة الإنكليزية في جامعة صُور، والغور عميقاً في عوالم الشخصيات وتقلباتها النفسية التي تمكن الراوي من نقل انفعالاتها للقارئ بمهارة.
 "القنافذ في يوم ساخن" رواية صادرة في عام 2012 عن دار الكتاب الجديد المتحدة/بيروت.

المقالة منشورة في جريدة الصباح العراقية، العدد 2655 بتاريخ 9/10/2012